الإرهاب ” خطا في الترجمة مقصود أم لا”

عبد العالي بن مبارك بطل

إن الإسلام دين الرحمة والتسامح، والدليل على هذا أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة متوافقة مع هذه الصفة للدين الإسلامي الداعي إلى التراحم بين الناس والدعوة إلى الإسلام والسلام وإشاعة العدل والطمأنينة في كل شيء. لذلك نجد أن معظم الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة هي داعية لهذا التراحم والتسامح والسلام بين الناس، بل فوق ذلك تحث على العفو والترفع عن المعاملة بالمثل.

وبناء على ما تقدم نلاحظ أن مصطلح “الإرهاب” ومشتقات مادة “رهب” لم ترد كثيرا في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ولعل أشهر ما ورد في القرآن الكريم هو قوله تعالي ” وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ” وهنا جاءت كلمة “فَارْهَبُونِ” بمعنى اتقوني وكذلك قوله تعالى ” وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ” ومن خلال تأملنا في هذه الآية نجد أن الأهداف المتوخاة منها هي السعي لامتلاك القوة للردع ومحاربة المعتدين فقط، لا لشيء آخر. حفاظا على النفس والممتلكات ونشر السلم والسلام ومنع اندلاع الحروب بين الناس وهذه سياسة متبعة من قبل معظم الدول في وقتنا الحاضر، كما أن الهدف منها ليس الاعتداء على الأبرياء وإنما الدفاع عن النفس، أما فيما يخص السنة والأحاديث النبوية الشريفة فنجد أن لفظ “رهبة ” كما في الحديث التالي ” اللهم أَسْلَمْتُ نفِسي إِلَيكَ، وَفَوَّضتُ أَمري إِلَيْكَ، وَأَلَجَأْتُ ظَهرِي إِلَيْكَ، رغبةً ورهْبَةً إِلَيْكَ، لامَلجأَ ولا مَنجي مِنْكَ إِلاَّ إِليكَ، ” جاءت بمعنى الخوف من عقاب وعذاب الله والطمع في أجره وثوابه عز وجل، وعلى العكس من ذلك فان الرسول صلى الله عليه وسلم دائما كان يحث خلال رسالته الربانية على السماح والمحبة وحب الخير واجتناب قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.

فعند قراءتي لبعض الكتب لمعنى الإرهاب في الإسلام وعند الغرب توافقت مع بعض النظريات لبعض المفكرين والباحثين العرب على أن هناك خطأ وقع في ترجمة كلمة “terrorism” بحيث ترجمت إلى “الإرهاب” وكأن المعاجم العربية والمفكرين العرب لم بتم استشارتهم عند كتابة المعنى، أو ربما لم يجدوا أنداك كلمة دقيقة تعطي نفس المعنى المقصود من كلمة ” terrorism” على الرغم من وجود بعض العبارات والكلمات التي لها نفس الدلالات لكلمة ” terrorism”مثال كلمة “الحرابة ” والتي تأتي بمعنى قطع الطريق للسرقة والنهب آو كلمة أخرى وهي ” الترويع” التي مفادها إدخال الفزع والخوف للشخص المقابل، وربما هناك كلمات في المعجم العربي اقرب وأكثر دلالة ودقة لمعنى الكلمة المقصودة باللغة الغربية “terrorism” وأفضل بكثير من كلمة الإرهاب المتداولة حاليا وبريئة منها كبراءة سيدنا يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز، ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها، لماذا هذا الخطأ في الترجمة ؟ هل هو خطا عفوي غير مقصود؟ أم هو خطأ مقصود لذاته ودلالاته لما تكرر في القرآن الكريم لمشتقات كلمة ” رهب ” ؟ وهل كان ذلك مقصود به الإساءة للإسلام والقرآن ؟ كلها تساؤلات ألزمتني وحثتني مشاركتكم الدخول والتطرق في حيثياتها من خلال مقالنا هذا.

فالجميع منا يعلم أن هناك كلمات في المعجم العربي مثال” الحراب ” أو “الترويع” تعد جرائم يعاقب عليها الشرع، وقد تصل عقوبتها حسب الفقهاء إلى الإعدام وهي العقوبة نفسها التي تجري على مرتكبي جرائم الإرهاب في كثير من القوانين الدولية، لذلك فكلمة الإرهاب عند الغرب ليست هي نفس المعنى الصريح في القرآن الكريم، وهذا الخلط في الترجمة هو الذي سوغ لكثير من الأشخاص التباهي بأنهم إرهابيون، كما أتاح لكثير من متصيدي الأخطاء من المستشرقين والكتاب في الغرب الفرصة للربط بين الإرهاب والإسلام، هذا الأخير الذي هو بريء كما قلنا كل البرء منه. كما أن تحديد من هو إرهابي ومن ليس إرهابي تقرره سياسة ونظام ووسيلة إعلامية لدول ما، حيث يمكن أن تصنفه حسب اختياراها وتوجهاتها الشخصية، فإما تعتبره إرهاب أو ثورة.

فالتاريخ يشهد أن مفهوم الإرهاب ظهر منذ الإمبراطورية الرومانية حيث أخد صور متصفة بالقتل والتدمير والترويع، كما أننا في العصر الحديث ومباشرة بعد قيام الثورة الفرنسية نجد اسم الإرهاب قد أخد من كلمة الرعب، وتجدر الإشارة إلى أن تعبير الإرهاب هو من ابتداع الثورة الفرنسية ولم يتبلور الإرهاب واقعيا إلا عندما أعلن ماكسيمليان روبسبيير Maximilien Robespierre‏  بداية عهد الإرهاب أو الرهبة في فرنسا بتاريخ 10 مارس1793م فخلال الثورة الفرنسية مارس روبسبيير ومن معه العنف السياسي على أوسع نطاق، حيث قادوا حملة إعدام واسعة شملت كل أنحاء فرنسا فقدر عدد من اعدموا فقط من ضاحية باريس وحدها من الجنسين عدد 1366 مواطنا، أما باقي المناطق الفرنسية فقد شهدت أكثر من 40000 ألف حالة إعدام، ومع بداية القرن السابع عشر بدأت سيطرة الدول الأوروبية على البحار العالمية وبدأت في زيادة حجم السفن الناقلة للتجارة بين الشرق والغرب، وظهرت معها القرصنة البحرية التي عدت شكلا من أشكال الإرهاب واستمرت حتى بداية القرن التاسع عشر. لهذا فان مفهوم الإرهاب عند الغرب نجده مختلف جدا عن مفاهيم الإرهاب ومدلولاته في القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة العربية، حيث يعرف الإرهاب عند الغرب بي” العنف والتخويف و الإرعاب والقتل والتفجير بخاصة أغراض سياسية” وكذلك بأنه هو التهديد باستعمال العنف، أو استعمال العنف لإغراض سياسية من قبل أفراد أو جماعات سواء تعمل لصالح سلطة حكومية قائمة أو تعمل ضدها وعندما يكون القصد من تلك الأعمال إحداث صدمة أو فزع أو ذهول أو رعب لدى المجموعة المستهدفة والتي تكون عادة أوسع من دائرة ضحايا العمل الإرهابي المباشر وقد شمل الإرهاب جماعات تسعى إلى قلب أنظمة حكم محددة وتصحيح مظالم محددة سواء كانت مظالم قومية أم لجماعات معينة أو بهدف تدمير نظام دولي كغاية مقصودة لذاتها ، والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن اعتبارا وتصنيف أحداث الشغب، واقتحام الكونغرس الأمريكي من طرف منظمات وجماعات متطرفة أمريكية خلال الأحداث التي عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية يوم الأربعاء ٦/١/٢٠٢١ بالإرهاب أم يمكن اعتباراه عكس ذلك لأنه حدث بأقوى دولة عالميا. كما أن الإرهاب حسب تشريعات بعض الدول العظمى جاء كما يلي:
حسب التشريع الفرنسي: وبموجب القانون رقم 86/1020 لعام1986 عرف المشرع الفرنسي الإرهاب بأنه” خرق للقانون يقدم عليه فرد من الأفراد أو تنظيم جماعي بهدف إثارة اضطراب خطير في النظام العام عن طريق التهديد بالترهيب….”
أما حسب تشريع الولايات المتحدة الأمريكية: فإنها تربط الإرهاب بالأفراد فقط حيث تعتبره ” نشاط موجه ضد شخص من أشخاص الولايات المتحدة يمارس من قبل فرد ليس من مواطني الولايات المتحدة أو من الأجانب المقيمين فيها بصورة دائمة…”
وفيما يخص التشريع الروسي فنجد ” انه سياسة التخويف المنهجي للخصوم بما في ذلك استئصالهم ماديا…”
وحسب التشريع الألماني فانه ” كفاح موجه نحو أهداف سياسية بواسطة الهجوم والاعتداء على أرواح وممتلكات لأشخاص آخرين وخصوصا بواسطة ارتكاب جرائم قاسية وعنيفة ….” .
أما حسب التشريع البريطاني: فان الإرهاب هو ” استخدام العنف لتحقيق غايات سياسية بما في ذلك كل استخدام للعنف بغرض إشاعة أو خلق الخوف لدى العامة أو لدى جزء منهم….”
وأخيرا ولتأكيد ما تقدم نرى ونلاحظ أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لم تستعمل مصطلح الإرهاب بصيغة مفهومها الحالي، كما أنهما يرفضان كل أشكال العنف، وإشاعة الفوضى والانحراف الفكري والعملي ويحاربان كل عمل يروع الآمنين مهما كان نوعه سواء كان إرهابا حسب المصطلح الغربي أم حرابة أم ترويع حسب الكلمات العربية فجميعهما صور تشيع الرعب والخوف في المجتمعات والساكنة، نجانا الله وإياكم منها.