حتمية التسامح والمصالحة لازدهار الشعوب

عبد العالي بن مبارك بطل

لاشك أن ترسيخ قيم التسامح والديمقراطية باتت ضرورة ملحة في عالمنا الذي يواجه استراتيجيات لتدمير استقراره، وتتعرض بعض بلدانه للتجزئة والتقسيم جراء التعصب ورفض الآخر سواء من الناحية الدينية أو السياسية، ومن هنا جاءت دعوة المصالحة والمسامحة مع سيادة القانون لتفويت الفرصة على مثل هؤلاء، كما انه لا سبيل لازدهار الدول وشعوبها إلا من خلال مصالحة ذاتية وحل جميع أزماتها ومشاكلها سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو عرقية،  وذلك من خلال مصالحة ذاتية مع الماضي وبفضل حوار بناء وجاد ومنصف وناجح يفضي إلى التسامح الكلي والراية الموحدة، فالحوار والمصالحة الجادة مع الماضي والذات تقتضي تبادل المعلومات وإبراز الأفكار والآراء سواء أكانت تبادلا رسميا أو غير رسمي مكتوبا أو شفويا، وغير مقصود بها المجابهة والإفحام من اجل إبراز الذات والوصول للهدف غير المشترك فقط.

وينعقد الحوار والتصالح بمجرد التعرف على وجهات نظر وأطروحات الآخرين وحججهم وتأملها وتقويمها والتعليق عليها وتعريف الطرف الآخر بما يغيب عنه أو يلتبس عليه من براهين خلال عملية التبادل. وبهذا الفهم يمكن أن يطلق الحوار والتصالح الجاد على عملية تلاقح الآراء بين بعضها البعض وما يحصل من جراء ذلك من التلاقح والتصويب والتأثير المتبادل.

فما أكثر ما يحمل الواحد منا فكرة سلبية عن فرد أو مجتمع آخر يكون الدافع الوحيد لها هو عدم الحوار معه بسبب مفاهيمه الخاطئة و تنوع أهدافه الجشعة وعرقه وجنسه ولونه ولغته ودينه أو معرفته معرفة قريبة وثيقة أكيدة، ولكن سرعان ما تنجلي غشاوة ذلك التحيز بمجرد أن يتم الحوار والتعارف الوثيق معه، وهذا ما لاحظناه من خلال المشاورات الأخيرة التي احتضنتها المملكة المغربية لفرقاء ليبيا بهدف الخروج بقرارات توافقية هادفة لمصلحة الشعب والدولة الليبية، وليس لشيء وأهداف ومصالح أخرى تخدم أطراف ليس لها علاقة بالدولة الليبية، وحسب رأي الشخصي فان من أسباب نجاح هذه المشاورات بالمغرب هي أولا عقلية المغرب غير الأحادية الجانب، ثانيا التجربة المغربية السياسية الخارجية والداخلية التي اكتسبها المغرب من خلال سياساته الدولية وخبراته وتجاربه وكفاءته في احتضان مثل هذه المشاورات والتي كان من أهمها المصالحة الذاتية للدولة المغربية مع مواطنيها من خلال إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004 بقرار ملكي من العاهل المغربي محمد السادس، والتي كان لها الدور الفعال للتسوية والمصالحة الذاتية بين الدولة والمواطن مع انتهاكات الماضي.

وهذا ما نتوخاه من بعض الدول كبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول التي كانت تستعمر دول مستضعفة اقتصاديا وعسكريا، الأخذ بمبدأ المصالحة وذلك من خلال إخراج إلى حيز الوجود وثائق تتضمن الأحداث والانتهاكات التاريخية وبالتالي طلب الاعتراف بها وإبراز الخلل والاعتراف به من اجل مصالحة ذاتية مستقبلية تضمن التوافق والتسامح الكلي  .

لأن مشاعر الشعوب ومواطنيها وكراهيتهم لدول أو جهات لا تولد من فراغ، بل بتأثير مفاهيم وقيم ومقولات وسياسات ظالمة لدول اتجاهها ، ومن ثم، فإن هذه المشاعر يمكن أن تكون إيجابية تدفع الفرد أو المجتمع للتسامح وحب الحياة والبناء والإنتاج، أو سلبية تنتج الكراهية والعداء وتفجير الذات، تبعاً لهذه المفاهيم، سلباً أو إيجاباً، ومن هنا فمن واجب الدول والمجتمع الدولي الحرص على تقوية المناهج التربوية الجادة لصياغة مفاهيم التسامح والحوار الجاد وصياغته صياغة إيجابية تحصن الناشئة من أفكار الكراهية والعداء السياسي والديني، لكن ما نلاحظه في عالمنا الحالي عكس كل التوقعات وهو يعد نقوس خطر نتيجة تحريف وتشويه معظم هذه المفاهيم من طرف أيادي خفية همها الشاغل التفرقة وعدم التصالح الذاتي لخدمة  أهداف و مصالح أيديولوجية شخصية محضة، مما يشحن نفوس وعقول الناشئة بأفكار العداء وعدم التسامح والإقصاء، وزرع مشاعر الكراهية، استدامة للتسلط والتضييق على الحريات، ومن تم الترويج لأفكار التآمر الخارجي، والغزو الفكري، لتنتج لنا في النهاية هذه النفوس التي تفيض كراهية  وتفجر الأبرياء وتخلق صراعات وحروب بين الدول او دولة ومواطنيها.

و كما قال الله تعالي في كتابة الكريم (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) [الإسراء:73] فالاستغراق في المأمول وحب الذات الشخصية بلا حدود هو طموح وسعي البشرية إلى المراتب الأعلى بغية اشباع الرغبة الذاتية‏,‏ وهو ما حدا بالبعض إلى الجموح لتحقيق أهدافه وأحلامه‏,‏ مستندا إلى مبدأ‏:‏ الغاية تبرر الوسيلة دون نظر إلى ما تمثله تلك الوسيلة من خير أو شر‏,‏ وهو أمر شديد الخطورة‏,‏ وقد يؤثر بالسلب على الفرد والمجتمع‏.‏

أما إذا أعاد الإنسان ضبط هذا المأمول في إطار المشروع, وبما لا يخالف النظام العام, فسوف يصل إلى هدفه ويحقق طموحه الذي يأمله دون منغصات أو وخز ضمير أو نظرات مستهجنة من البشر حوله, ويكون بهذا قد حقق التوازن والاتساق بين ما تطمح إليه نفسه وبين ما يأمره به دينه, والإنسان حين يحقق هذا التصالح مع ذاته ونفسه يصل إلى التسامح والتصالح مع الآخرين من حوله, فيعيش المجتمع في طمأنينة واستقرار, لأن كل فرد فيه يعمل على جلب النفع ودفع الضر سواء لنفسه أو لغيره.