حرب فيروس كورونا وتداعياتها على المحكمة الجنائية الدولية

بقلم عبد العالي بن مبارك بطل

مع تزايد حالة الهلع التي يشهدها العالم بأسره من فيروس كورونا جراء ارتفاع عدد الوفيات والإصابات، بدأت تكثر بعض الاتهامات ونظريات المؤامرة بين القوى العظمى حول المتسبب في الأزمة، التي باتت تقلق مضاجع الجميع على سطح الكرة الأرضية. ما بين اتهامات بحرب بيولوجية أو سلاح لتدمير دول ما لخدمة دول أخرى وذلك لأغراض اقتصادية وسياسية محضة، أصبح العالم الدولي يتوق لمعرفة من المتسبب في افتعال هذه الكارثة الإنسانية الدولية التي أضرت بالبشرية واقتصادها.
فإذا تبين بالفعل ثبوت فيروس كورونا كفعل أجرامي وجرائم إبادة ضد الإنسانية أو جرائم حرب خصوصا وأننا أصبحنا نجد بعض رؤساء الدول يؤكدون في خرجاتهم وتصريحاتهم الإعلامية على أنها بالفعل حرب تواجهها دولهم فالسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن إدراج فيروس كورونا ومرتكبيه كطرف ضمن اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي؟ وهل يمكن تجريم مرتكبيها ومعاقبتهم في إطار القانون الجنائي الدولي باعتبارهم مجرمي حرب؟ وما مدى فعالية تنفيذ أحكامها؟ ومن الدولة أو الطرف الذي سيكون لها حق أسبقية المبادرة لإقامة الدعوى؟ وهل يمكن إدراج المسئولين عن الإجرام او التخطيط له على الرغم من أن الدولة ليست طرفا بالمحكمة (بمعنى دول وقعت على النظام الأساسي لكنها سحبت توقيعها، أو دول أعضاء أو مراقبة في الأمم المتحدة لم توقع ولم تنضم إلى النظام الأساسي للمحكمة)؟ أم أن هناك أطرافا كبرى كالمعتاد ستعارض تنفيذها؟ وذلك لدواع سياسية واقتصادية كما تعودنا منها، وما مدى جرأة المحكمة في دعوة الأطراف وتنفيذ أحكامها ضدهم لإعطاء العبرة للقادم ؟كلها تساؤلات وجب طرحها فقبل الدخول في هذا النقاش وجب علينا إبراز أولا نبذة تاريخية عن هذه المحكمة إنَ فكرة إنشاء قضاء جنائي دولي ليست وليدة القرن الحالي، وإنما تعود جذورها إلى عصور تاريخية قديمة، وفي هذا الصدد يذهب العديد من الباحثين إلى إنَ أولى تطبيقات القضاء الجنائي الدولي تعود إلى التاريخ المصري القديم وذلك سنة 1286 قبل الميلاد، حيث خلالها أجريت محاكمات ضد كل من ملك يودا المهزوم سيد بيترياس ببابل، وضد لـ Cnradin Von Hohenstafen في نابولي والأخرى ضد ارشيدوق النمسا Sire Pierre de Hagenbach في إقليم الراين حيث تمت محاكمتهم وإصدار الحكم ضدهم بالإعدام. ولذلك أخذت فكرة إنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب تبرز بين أوساط القانونيين في المجتمع.
ولكن يلاحظ بأن فكره معاقبة مجرمي الحرب ووضع آلية لعقاب منتهكي القانون الدولي الإنساني بدأت بمبادرات فردية أكثر منها رؤى حكومات ودول، حيث نادى العلامة السويسري السيد ( غوستاف مونييه ) أحد مؤسسي اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعام 1864 والراعي الأول لقيام معهد القانون الدولي عام 1872. أي بعد صدور اتفاقيه جنيف الخاصة لمعالجة جرحى الحرب، لإنشاء واستحداث محكمة جنائية دولية لمنع مخالفات الاتفاقية والمعاقبة عليها، وتقدم بمشروعه هذا إلى (اللجنة الدولية لغوث العسكريين الجرحى ) واقترح أن تضم
المحكمة في قوامها ممثلا عن كل طرف من الطرفين المتحاربين وثلاثة ممثلين عن الدول المحايدة ينتخبون بالقرعة، وبين في مقترحه بأن المحكمة لا تنظر في قضية ما من تلقاء نفسها بل تنتظر إليها من خلال الدعوى المرفوعة من قبل دولة متحاربة، أما تنفيذ الحكم فانه يقع على عاتق الدولة التي صدر الحكم ضد احد رعاياها. وعلى الرغم من هذه المقترحات التي تقدم بها السيد (غوستاف مونييه) إلا أنها قد بقيت حبرا على ورق ولم تر النور رغم كل الجهود التي بذلها. وعلى الرغم من إنشاء عدد من المحاكمات الدولية التي سبقت الحرب العالمية الأولى، إلا أنَ هنالك الكثير من الفقهاء والباحثين في إطار القانون الدولي يرون بان فكرة إنشاء محكمه جنائية دوليه تعود إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. والتي راح ضحيتها ما يقارب العشرين مليون شخص. حيث من خلالها شعر العالم بحاجة ماسة إلى ضرورة إيجاد قواعد قانونية ملزمة، واتخاذ إجراءات جديدة تحول دون وقوع حرب عالمية أخرى، وكذلك من اجل وضع حد لتصرفات الأشخاص والدول التي تهدد السلم والأمن الدوليين، وفرض الجزاء الجنائي بدلاً من الجزاء المدني على مجرمي الحرب. وعلى اثر ذلك اتجه المنتصرون في الحرب إلى إنشاء لجان تحقيقية مهمتها إثبات مخالفات قوانين وأعراف الحرب والمتسببين في اندلاعها ومعاقبتهم عن الجرائم التي ارتكبوها، ولذلك جاءت معاهدة فرساي لعام 1919، لتنص في المادة (227) منها على تحميل الإمبراطور الألماني غليوم الثاني المسؤولية الجنائية الدولية. وإحالته إلى الحلفاء لمحاكمته طبقاً لأسمى بواعث السياسة الدولية عن جريمة عظمى ضد الأخلاق الدولية وقدسية المعاهدات. ولكن الظروف السياسية حالت دون أن تلقى المبادئ التي قررتها معاهدة فرساي التطبيق الصحيح، إذ إن جريمة شن الحرب التي اتهم بها إمبراطور ألمانيا لم تجر بشأنها محاكمة. لأنَ الإمبراطور غليوم قد حصل على حق اللجوء السياسي في هولندا، ورفضت الحكومة الهولندية تسليمه حتى توفى عام 1941. وهنا يمكن القول بان هنالك عدة اعتبارات أثرت في قرار هولندا وهي تدخل البابا لمصلحة الإمبراطور الألماني ومعارضة الوفد الأمريكي والياباني باعتبار أنَ الرؤساء في حال ارتكابهم جرائم، يجب أن يحاكموا أمام شعوبهم فقط . وعلى الرغم من أن الحلفاء طلبوا تسليم الإمبراطور الألماني. إلا أنَ حكومة هولندا أصرت على حقها في منح اللجوء للاجئين السياسيين. وهو اتجاه رحبت به الدول المنتصرة. وكان إنشاء عصبة الأمم نتيجة لتجنب الحروب والكوارث الناتجة عنها، وقد جاء في عهد العصبة الذي أصبحت نصوصه سارية المفعول عام1920، وفي سنة 1937 تقدم الوفد الفرنسي باقتراح إلى عصبة الأمم يدعو إلى ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمنع قيام الأعمال الإرهابية وضرورة معاقبة مرتكبيها من قبل محكمة جنائية دولية. وكان هذا الاقتراح كرد فعل للأعمال الإرهابية التي أودت بحياة ملك يوغسلافيا الملك السكندر، وكرد فعل ضد الأعمال الإرهابية التي ارتكبت ضد وزير الخارجية الفرنسي المسيو (باترو) في مرسيليا عام1934. وعلى اثر هذا الاقتراح وجهت الدعوة إلى عقد مؤتمر يتم بمقتضاه الالتزام بتحديد معنى عبارة (أعمال ألإرهاب ) ومن ثم اعتبارها أعمالا جنائية تستحق العقاب. وخلال هذا المؤتمر تم الاتفاق على تحديد أعمال الإرهاب. وفي نفس اليوم الذي عقد فيه المؤتمر الأول الخاص بتعريف أعمال الإرهاب، عقد مؤتمراً ثانياً من اجل إيجاد صيغة قانونية لمحاكمة المتهمين بالجرائم التي حددها المؤتمر الأول، لذلك جاءت المادة الأولى من
الاتفاقية الثانية والتي تتكون من ستة وأربعين مادة، لتنص على ضرورة إنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة المتهمين بالجرائم التي حددها المؤتمر الأول. على أن تكون المحكمة الجنائية الدولية المراد تكوينها، محكمة دائمة تدعى إلى الاجتماع كلما رفعت إليها دعاوى تدخل ضمن اختصاصها.
ولكن يلاحظ بان الجهود الكبيرة التي بذلها المؤتمرون في هذين المؤتمرين لم تلق النجاح على الصعيد العملي، حيث لم يكتب النجاح لأي من الاتفاقيتين أن توضع موضع التنفيذ على الصعيد العملي، وذلك لعدم التصديق عليها، وكذلك لنشوب الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من ذلك، فان هاتين الاتفاقيتين تبقيان بحق من الاتفاقيات التي ساهمت في تطور مفهوم المسؤولية الجنائية الدولية، واعتبرتا فيما بعد من السوابق المهمة التي خدمت تطور القانون الدولي.
وخلال فتره انتهاء الحرب العالمية الثانية شهد العالم تطورات عدة فيما يتعلق بإنشاء المحاكم الجنائية الدولية، إذ تم تشكيل عدة محاكم جنائية دولية تختلف من حيث طبيعتها وإنشائها، فبعضها قد تم تشكيلها من قبل الحلفاء المنتصرين وهي محكمة نورمبرغ عام 1945 ومحكمة طوكيو عام 1946، وأخرى تم تشكيلها من قبل مجلس الأمن و تشمل محكمة يوغسلافيا السابقة عام 1993، ومحكمة رواندا عام 1994. وعلى الرغم من أن المحاكم الدولية التي شكلها الحلفاء تختلف عن المحاكم الدولية المشكلة من قبل مجلس الأمن من حيث طريقة إنشاءها، إذ أن كلاً من محكمة نورمبرغ ومحكمة طوكيو قد تم تشكيلهما باتفاق بين الدول المتحالفة المنتصرة خلال الحرب العالمية الثانية. في حين نشأت كلاٌ من محكمة يوغسلافيا السابقة ومحكمة رواندا بقرار من مجلس الأمن، إلا انه يلاحظ على هذه المحاكم السابقة أنها محاكم مؤقتة وليست دائمة، ولذلك جاءت فكرة إنشاء محكمة جنائية دولية ودائمة بعدما صادقت علها 121 والتي تم وضعها موضع التنفيذ من خلال إقرار نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية الدائمة ودخوله حيز التنفيذ عام 2002 والتي يوجد مقرها بلاهاي بهولندا. مع تعرضها لانتقادات من طرف دول كبرى كالصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، هذه المحكمة التي مازالت لغاية الآن لا توفر أي حد أدنى من ضمانات العدالة الدولية على الرغم من كل المجهودات والطموحات التي كانت تعول عليها وهذا راجع بالأساس لافتقارها لجهاز تنفيذي قادر على تقديم المتهمين للمثول أمام المحكمة ووضع قراراتها وأحكامها الصادرة موضع التنفيذ.
لذلك قبل الإجابة على تساؤلاتنا التي سبق طرحها وجب آو تبدو الحاجة ملحة إلى تنشيط المحكمة الجنائية الدولية بإدخال تعديلات على النظام الأساسي لها أولا والتي من الواجب النظر فيها من خلال مؤتمراتها وجلساتها القادمة الموعودة …………..