حينما يقاطع رئيس العصبة الاحترافية حفل تسليم درع البطولة

عبد اللطيف المتوكل

كم نحتاج، وكم يلزمنا من الوقت، لكي نشعر ونفخر بأن الرياضة تربي على قيم التعايش والتسامح وعدم التمييز، وبأن كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية، هي الرائدة في نشر وتعميم وترسيخ هذه القيم، والتصدي لخطابات الحقد والكراهية؟!.

ولاشك أن هذا التساؤل المحير، فرض نفسه بإلحاح، ودار وجال في أذهان كثير من المتتبعين والمهتمين، وهم يشاهدون صور حفل تسليم درع الدوري الوطني “الاحترافي” الأول، الذي أقامته الجامعة صباح أمس الأربعاء 14 أكتوبر 2020، في توقيت غير مناسب على الإطلاق، ولا يوازي قيمة الحدث، ولا قيمة الجهود والتصخيات الجسام التي بذلت من مختلف المكونات، وخاصة الأندية واللاعبين، للوصول إلى خط النهاية لموسم، يتحدث عن نفسه، معترفا، بأنه الأطول والأصعب والأشقى في تاريخ كرة القدم الوطنية، دون أن يقفوا على صورة واحدة يظهر فيها رئيس العصبة الاحترافية سعيد الناصيري!!.

غاب السيد الرئيس، وهذا الغياب له بكل تأكيد، ما يبرره، لكن دون أن يرقى إلى معنى ومدلول المقولة الشهيرة: “الغايب حجتو معاه”!!.

المبرر موجود ومعروف، وربما متعدد الأوجه، لكن بمعنى واحد وأوحد، بينما الحجة الدامغة والمقنعة منتفية أصلا.
مهما كانت المبررات، فتبقى واهية ومردود عليها، لأن الأمر يتعلق برئيس العصبة الاحترافية، الهيأة المسؤولة، وفق ما ينص عليه القانون المنظم لاختصاصاتها، على تنظيم وتدبير الدوري الوطني الأول والثاني، وبالشخص الذي تفرض عليه مهمته والصفة التي يحملها أن يكون رئيسا للجميع، دون تمييز، وأن يجسد التزامه بالمصلحة العامة، وترفعه عن المصلحة الخاصة، وعن الانتماء للنادي الذي يمثله، وهو الوداد الرياضي، ويقدم الدليل تلو الآخر على أنه ممثل جميع الأندية “المحترفة”.

هذا الغياب انعكاس وترجمة فعلية لموقف، هو في الحقيقة مقاطعة، يعبر من خلالها رئيس العصبة الاحترافية عن عدم استعداده، ولا قدرته، لحضور حفل الإعلان الرسمي عن فوز الجار الرجاء باللقب.

كنا نتمنى أن يفعلها سعيد الناصيري بصفته رئيسا للوداد، ويبعث رسالة تهنئة إلى الرجاء، لكنه للأسف الشديد، لم يفعل.

لو فعلها لسجل خطوة تاريخية وحضارية، تحسب له، يؤكد من خلالها على أن قيم وقواعد التنافس الرياضي، لا تفسد للود ولا للاحترام قضية!.

خطوة من هذا القبيل، ستثير حتما، حفيظة فئة من جماهير الوداد، وستجلب عليه انتقادات وردود فعل غاضبة وصاخبة، لكنهم بعد حين، وفي النهاية، سيدركون وسيتفهمون أن قدر الوداد والرجاء الحتمي، هو التقارب وليس التخاصم والمناوشات اللاأخلاقية، ولا مذكرات التفاهم العابرة والزائفة!!.

ومن الصعب على من لا يجرؤ على تقديم الدروس في الروح الرياضية العالية، ليكون قدوة للآخرين، في مناهضة كل أشكال التعصب والحقد ورفض الآخر، أن يتحرر من صفة الانتماء، والاعتبارات التي لا جدوى منها، ويحضر بالصفة الأوسع والأكبر كرئيس للعصبة “الاحترافية”، حفل تسليم درع البطولة للفريق الجار.

ليس هناك ما يمكن أن يبرر غياب رئيس العصبة الاحترافية، عن حفل تسليم درع البطولة، لأنه الأولى بالحضور.
فهو في واقع الأمر، لم يقاطع الرجاء، كما قد يفهم من ذلك، وإنما قاطع حفل المؤسسة التي يرأسها.

رب قائل يقول، إن من حق رئيس العصبة أن يغيب وأن يقاطع، بعدما لقي في الآونة الأخيرة من الناطق الرسمي باسم الرجاء سعيد وهبي، هجوما لاذعا، على خلفية التصريح الذي نسبته بعض المواقع لرئيس العصبة في حق وهبي، لكن استغلال هذه الورقة لتسجيل الغياب كشكل احتجاجي، لا يؤدي إلا لمزيد من التوتر والاحتقان.

وأتمنى من السي وهبي ألا ينجر وراء الحرب الكلامية الخارجة عن نطاق الأخلاق والروح الرياضية، فمهمته كناطق رسمي باسم الرجاء، تستوجب منه الترفع عن السقوط في ما يخطط له البعض بمكر وخبث، والالتزام أكثر بالرفع من مستوى النقاش الفكري والمعرفي والقانوني.

فمنذ عقود من الزمن، والعلاقة بين الوداد والرجاء مطبوعة بالتنافس والندية والتدافع الإيجابي، ولم تنزل إلى الحضيض في السلوك وتسجيل المواقف.

تذكرت واقعة تاريخية حدثت في مقر الجامعة بالرباط، لما انعقد اجتماع موسع، حضرته الأندية، وكان الرجاء في هذا الاجتماع ممثلا برئيسه الأستاذ عبد الواحد معاش، رحمه الله، الذي حضر إلى الاجتماع برفقة وفد رجاوي كبير العدد ورفيع المستوى، بينما ترأس وفد الوداد، الرئيس عبد الرزاق مكوار رحمه الله، مرفوقا بعدد كبير أيضا من الأعضاء الوازنين، وجلس وفد الرجاء في الصف الأمامي، ولم يتبق إلا عدد محدود من المقاعد الشاغرة، فانبرى عبد الرزاق مكوار معاتبا، الوداد أجدر بالصف الأمامي، فرد عليه عبد الواحد معاش بكل ذكاء وكياسة: المقاعد المتبقية لكم، أما الرجاء فلم تشغل إلا ما يوازي قيمتها داخل الوطن”!!.

هكذا كانت العلاقة في ما مضى، بين قطبي كرة القدم الوطنية، لم تكن على هذا القدر من التسميم والضغينة والعداء، لذلك ليس من مصلحة الرجاء ولا الوداد كمؤسستين رياضيتين عريقتين، أن تساهما في إذكاء نزعة الكراهية وخطابات العنف، وما يخلفانه من ممارسات هدامة ومآس اجتماعية…

نقولها بكل تجرد، رئيس العصبة الاحترافية، أخلف موعده مع تصحيح توجهات وممارسات فاسدة، يريد لها البعض أن تكبر وتستشري، بمقاطعته لحفل تسليم درع البطولة للرجاء.

لكن هذه المقاطعة غير المقبولة، تفرض التعجيل بمراجعة القانون لوضع حد لحالات التنافي وتضارب المصالح في مشهد كرة القدم الوطنية.