هل الإنسان مسير أم مخير؟ وهل الإنسان حر في ما يأتي ويذر؟ أم أنه كالريش المتنقل في مهب الريح ؟ وما مدى قدرة الإنسان على الاختيار؟ وما السبيل لحل إشكالية القضاء والقدر ؟ وهل الإنسان فعلا مسئولا عن نتيجة كل أفعاله؟ بحيث أن كل ما يفعله اليوم سيلاقي نتيجته غداً؟ وإذا كانت أفعال اليوم هي التي تصنع حياة الإنسان في الغد، فإن واقعة اليوم كذلك ما هي إلا صناعة أفعال الأمس، صراحة كلها تساؤلات من منا لم تخطر على باله خلال مرحلة ما من أوقاته، سواء كان ذلك قبل أو بعد نومه، خصوصا إذا ما تعرض لمصيبة أو مشكلة من المشاكل والهموم التي قد يواجهها في حياته، لهذا فانه من الواجب علينا التمعن والبحث عما قدمته يدانا بالأمس او ما ستقدمه في الحاضر، حتى نستطيع إيجاد الحلول والسبل الكفيلة لإصلاحها أو تجنبها على العكس ما قد يفعله البعض من خلق أعذار والاستسلام لها. و الخوض في مسالة القضاء والقدر ليس مجرد ترف كلامي أو فلسفي فحسب، لأن هناك محاولات عديدة من كبار العلماء والفقهاء والفلاسفة القدماء أو حديثي العهد منهم، نجدهم قد تطرقوا لهذه المسألة بغية إيجاد حل نهائي لها ، نذكر من بينهم افلاطون و ارسطو وابن رشد من خلال كتابه بعنوان ” الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” حيث نجدهم قد اثبتوا أن هذه المسألة تعد من أعوص المسائل التي واجهوها في حياتهم، بحجة انه إذا تأمل الشخص منا دلائل السمع في ذلك قد يجد تعارض في حجج العقول لأن البعض منهم اعتبر إن كل شيء بقدر وان الإنسان مجبور على أفعاله حسب قوله تعالى (إنا كل شيء خلقناه بقدر) وقوله تعالى (خلقت هؤلاء للجنة وبأعمال الجنة يعملون وخلقت هؤلاء للنار وبأعمال أهل النار يعملون) وهناك توجه أخر يقول أن للإنسان اكتسابا بفعله وانه ليس مجبورا على أفعاله حسب قوله تعالي( ذلك بما كسبت أيديكم) وقوله تعالى (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)، كما نجد أن البعض الآخر من المفكرين سواء القدماء أو حديثي العهد لم يصلوا إلى حل معقول لهذه الإشكالية، فما كان منهم إلا ترك هذا الباب مفتوحا لمحاولات فكرية قادمة لربما قد تجد أجوبة قطعية لا تغمرها شكوك أو افتراضات. لأنهم وجدوا فيها تأثير مباشر وخطير على مستوى نتائج أعمال الإنسان، ومسؤوليته القانونية والأخلاقية. مما دفع يبعضهم بالخروج بالقول إذا كان الشخص مجبراً على أفعاله، فليس مسئولا عن أعماله، لا قانونياً ولا أخلاقيا، إذ أن المسؤولية تفترض حرية الاختيار، والعكس صحيح. وهذا الفكر أو التوجه الذي دفع أكثر الناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم وألوانهم يؤثرون تنزيه الذات، فبدل أن يلتفتوا إلى داخل أنفسهم ومحاسبتها على أفعالها، فإننا نجدهم يبحثون عن أسباب مشكلاتهم خارج ذواتهم وفي بعض الأحيان يخلقون الأعذار الإلهية لذلك، ونقصد الذات هنا في جميع مستوياتها: الفردية، والجماعية، والحضارية، فالفرد يسب المجتمع والظروف لأنه فشل في حياته والبعض الأخر يحمل ذلك للقضاء والقدر وحتى وليعود بالله للذات اللاهية، ولا يفكر بالأسباب التي قادته إلى هذه النتائج. ويكتفي للاستسلام للقضاء والقدر دون الحيلولة والعزم على تعديل وتغيير حياته لمعالجتها للأفضل. حقيقة أن الإنسان يقع في قضاء الله من حيث خلقه وفي قدره من حيث رزقه وهذه موزعة من عند الله بالعدل بين الناس وبحكم ربانية لا يعلها الى الخالق وخير دليل على هذا قصة سيدنا موسى والعبد الصالح ، فمن منا يا اخوان لم يسأل نفسه في يوم من الأيام وهو يقرأ هذه القصة في القرآن. لماذا سيدنا موسى تحديدا الذي قدر له الله تعالى من بين جميع الأنبياء و الرسل أن يقابل سيدنا الخضر الأكثر علما و رحمة. هل لأنه كان من أكثر الناس طرح لمثل هذه التساؤلات لمعرفة الكون وخصوصا انه من الأشخاص التي تدعي أكثر معرفة للعلم بحكم ملاقاة والتكلم مع ربه. هل لأنه أكثر الرسل اقترابا من الطبيعة البشرية و ما يعتريها من الضعف و الخوف و القتل الخطأ و التساؤل و الفضول و التلعثم و الغضب الشديد، لكن الأكيد أن هذه القصة تحديدا تختلف تماما عن كل القصص، لأن هذه القصة تتعلق بعلم ليس هو علمنا القائم على الأسباب، و ليس هو علم الأنبياء القائم على الوحي، إنما علم من طبيعة أخرى غامضة أشد الغموض. آلا هو علم القدر الأعلى. علم أسدلت عليه الأستار الكثيفة، لأنه يجيب على أصعب سؤال يدور في النفس البشرية منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض و ما عليها. هو لماذا خلق الله الشر والفقر والمعاناة والحروب والأمراض؟ كيف يعمل القضاء والقدر ؟ البعض يذهب إلى أن العبد الصالح لم يكن إلا تجسيدا للقدر الرباني لعله يرشدنا على العتبات والأسئلة التي نواجهها في وقتنا الحاضر: مثال يا رب قد ابتليتني بالأمراض والفيروسات والزلازل القاتلة هل نزل غضبك للخلاص مني ؟ يا رب أخلقتني بلا ذرية كي تشمت بي الناس؟ أفصلتني من عملي كي أصبح فقيرا مذلولا؟ لماذا لم تخلقني غنيا وخلقتني فقيرا ؟ أأزحتني عن الحكم ليشمت بي الأراذل ؟ وغيرها من الأسئلة. لذا أرى أن القران وقصة سيدنا موسى والعبد الصالح خير دليل على فهمنا لهذه المسألة الشائكة، لأن فيها تتجلى حكمة الإله (القضاء والقدر) بأنواعها الثلاثة التي لن نفهم بعضها حتى يوم القيامة.
1/ النوع الأول : شر تراه ولكنه خير. فما بدا شرا لأصحاب القارب اتضح أنه فيما بعد انه خير لهم. خصوصا عندما علم أصحاب القارب بان حاكم قومهم آنذاك يريد الاستيلاء على جميع القوارب الخاصة بالصيد 2/ النوع الثاني :شرا تراه فتحسبه شرا مثل قتل الغلام. لكنه في الحقيقة خير. لكن لن يكشفه الله لك طوال حياتك. فتعيش عمرك و أنت تظنه شرا .حيث نجد أن أم وأب الغلام لم يعرفا حقيقة ما حدث ولماذا قتل ابنهما ومن قاتله؟ هل أخبرها الخضر؟ الجواب لا . بالتأكيد انهم عاشوا بقلب حزين على مقتل ابنهم. وبالتأكيد هما لم يستطيعان أبدا أن يعرفا أن الطفل الثاني كان تعويضا لهما عن الأول.. وأن الأول كان سيكون سيئا فهنا نحن أمام شر مستطير حدث للأم والأب. ولم يستطيعان تفسيره أبدا. و لن تفهم أم الغلام وأبوه أبدا حقيقة ما حدث إلى يوم القيامة، نحن فقط الذين نمر على المشهد مرور الكرام لأننا نعرف من خلال القران الكريم فقط لماذا فعل الخضر ذلك ؟ أما هما فلا. 3/ النوع: الثالث من القدر و هو الأهم، هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري لطف الله الخفي. الخير الذي يسوقه لك الله و لم تراه و لن تراه و لن تعلمه. فهل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم ؟ لا. هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه ؟ لا.. هل شاهدوا لطف الله الخفي. الجواب قطعا لا. هل فهم موسى السر من بناء الجدار؟ لا. لذا فالصورة لحل إشكالية القضاء والقدر اكبر من عقلنا، لأننا لن نستطيع أن نفهم أقدارا لله. إذن لنستعن بلطف الله الخفي ولنصبر على أقداره التي لا نفهمها، كما يجب علينا أن نقوي ونؤمن ونتق بركن إيماننا السادس، و أن نثق في ربنا فإن قدرنا كله خير، ولنتوكل على الله، ونعمل من اجل إصلاح ذاتنا وحياتنا بأنفسنا دون خلق مبررات نحن في غنى عليها .
للمزيد من التفاصيل...