في زمن أصبحت فيه الشهرة أقرب من أي وقت مضى، لم يعد لافتا أن يستيقظ الشخص منا صباحا على خبر ووجه وشخصية جديدة تغمر شاشات هاتفه وتحصد الالاف من المشاهدين والمتابعين رغم تفاهة مضمون محتواها وقلة أخلاقها وكثرة ضجيجها، بحيث يصبح عدد متابعيها أقل قيمة مما تقدمه، وهذا ما يجعل منها ومن أصحاب الضجيج والتفاهة تتقدم وبشكل كبير عن أصحاب الإنجازات. ومن هنا يكمن الخطر الحقيقي مما يستوجب منا التوقف لإيجاد جواب سريع لسؤالنا المحير والذي مفاده: شتان بين الكاريزما الهادفة والكاريزما التفاهة فأيهم أحق لقيادة مجتمعاتنا ومنحها القدوة خصوصا والبعض منها مقبلين على انتخابات واستحقاقات مصيرية؟ وهل فهلا هذا زمانك يا مهازل؟ الكاريزما هي في الأصل مفهوم يرتبط بالجاذبية والقدرة على التأثير والإقناع، وهي كلمة ذات أصل يوناني مشتقة من كلمة Charis وتعني نعمة ولطف، ونجدها في اللغة الفرنسية تسمى charisme وتدل على معنى الجاذبية والموهبة الروحية والصفات والسلوكيات الخلاقة والحميدة التي يمتلكها الشخص بالفطرة، وتجعل منه قادرا على التأثير وسحر ولفت انتباه عدد كبير من حوله مع كسب تقتهم وإعجابهم وإغوائهم، وهذا النوع من الكاريزمات دائما ما يكون صادقا وعفويا. كما أن هناك نوع آخر من الكاريزمات التي يُمكن اكتسابها والتمرّن عليها أيضا ولكن غالبا ما تكون مصطنعة وغير حقيقية. وحسب كيرت دبليو مورتنسن Kurt Mortensen فالكاريزما هي مزيج من الجاذبية الشخصية والاتصال الاقناعي، ولا يتعلق الأمر بأن يكون صاحبها أكثر انفتاحاً أو جاذبية كما نراه في يومنا هذا من الانحطاط والرداءة عبر الوسائل التواصل الاجتماعي وحتى الإعلامي منه في بعض الاحيان، بل يتعلق الأمر بمدى اتصاله وإلهامه للآخرين في إطار تربوي رفيع وهادف، كما أنها جزء لا يتجزأ من القيادة الفعالة التي تعرض الثقة والتفاؤل والتعبير العاطفي، والقدرة على صياغة رؤى واضحة وجذابة. ولهذا ارتبطت الكريزما عبر التاريخ بعدد من الشخصيات الوازنة التي كان لها تأثير على الناس نذكر منها على سبيل المثال الرسل والأنبياء وأهل العلم والفكر وكبار القادة والشخصيات البارزة في العديد من المجالات، وتبقى شخصية سيد الخلق محمد ﷺ نموذجا رفيعا يحتذى به في القيادة والأخلاق والتربية والتأثير وذلك لما تركه من أثر ديني وانساني وخلقي وحضاري على مدى العصور. لكن في الحقيقة اليوم هناك شيئا ما قد تغير في مجتمعاتنا، حيث أصبحت الشهرة المربوطة بالتفاهة أهم من الانجازات العلمية والفكرية والأدبية والثقافية بأنواعها، خصوصا بعد ظهور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، حيث سطعت أنماط جديدة لم يكن لها سابقا أي وجود أثرة وبشكل كبير على الأنماط المعتادة، جعلت الوصول للشهرة ليس بحاجة إلى جهد ولا لسنوات من العمل والكفاح، فقط يكفي مقطع صغير تافه ومثير للجدل أو سلوك غريب أو خطاب صادم وكاذب لكي يحول صاحبه الى شخصية بارزة وفي ظرف وجيز جدا. وهذا ما جعلنا نتحدث عن مصطلح الكاريزما التافهة الذي أصبح يعرف انتشار واسعا ضمن قاموسنا اللغوي، وهو في هذا المقال ليس تصنيف علمي بقدر ما هو وصف لظاهرة اجتماعية معاصرة جعلت من بعض الأشخاص التافهة تجدب جمهور واسع، دون أن يكون لها حضورا قائما سواء كان انجاز علمي أو ثقافي أو رياضي، كما أن المشكلة ليست في أن يكون المحتوى ترفيهيا، فالترفيه هو حاجة إنسانية مطلوبة ومشروعة، لأن ليس كل محتوى طريفا تافها، ولكن المشكلة وهي عندما تصبح التفاهة مشروعا للمحتوى والمحتوى مشروع للنجومية والنجومية بوابة للتأثير والتأثير مصدرا لصناعة القدوة، وهنا يكمن الخطر وتصبح المسألة أكبر من مجرد محتوى ترفيهي عابر. كما أننا وحقيقة تذكر غالبا ما نحمل وسائل التواصل الاجتماعي المسؤولية الكاملة لانتشار مثل هذه الكريزمات التفاهة والسلوكيات الخاطئة، وهذا غير منصف حقا لأن منصات التواصل الاجتماعي لها أدوار مهمة وإيجابية كذلك سواء علميا وثقافيا وهي لا تعمل من فراغ بل هناك جمهور مذنب وغير بريء تماما يسيء استعمالها ويشجع في انتشار مثل هذه الكريزمات التافهة وبالتالي يقوي أصحابها ويمنحهم الشهرة والمواصلة على ذلك. لأننا نحن من نشارك في صناعة المشهد ونمنح كل مشاهدة تافهة عمرا أطول وأكثر انتشار وكل تفاعل منا قد يرفع فرصة ظهوره من جديد أمام جمهور آخر، وبذلك قد يجد صناع هذا المحتوى التافه أنفسهم قي قمة المشهد، ليس لأنهم الأكثر علما أو ابداعا بل لأنهم الأكثر قدرة على جذب الانتباه، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة والمتمثلة في تغيير معايير النجاح والقدوة داخل بيوتنا ومجتمعاتنا. فحين نربط النجاح بالتفاهة والشهرة الخداعة والمال الفاسد، ونغفل قيمنا التربوية والعلمية والخلقية، فإننا بهذا نرسل رسالة واضحة إلى أجيالنا وأبنائنا القادمين مفادها: أنه لا يهم ماذا تقدم وكيف وبأي طريقة اشتهرت وكيف كسبت المال، المهم أنك معروف ومشهور ولو على حساب أخلاقك، ومبادئ مجتمعك وعائلتك وهذه أخطر رسالة يمكن توجيهها لجيلنا القادم. فالمعلم والحرفي الذي يقضي سنوات من أجل بناء أجيال قد لا يحظى بربع الاهتمام الذي يحظى به صاحب محتوى وكريزما تافهة والباحث الذي يمضي سنوات وأعوام في مختبره قد يبقى مجهولا، بينما يستطيع شخص آخر أن يصبح مشهورا في وقت وجيز بسبب مادة سطحية تافهة أو مثيرة للجدل. ولهذا فالمشكلة وحسب رأي الشخصي هي مشكلة اختلال في ميزان القيم والتربية والأخلاق، وأن السبب الحقيقي في انتشار التفاهة في مجتمعاتنا وجعل الكاريزما التافهة تتصدر مسرح ساحات الكاريزمات الأخرى هو أولا: تهميشنا نحن كأفراد ومجتمع لمنظومة القيم وغياب الأداء الرفيع وبروز أذواق منحطة وإبعادنا للكفاءات الجادة، وتغليب الكسل والربح السريع بشتى الطرق على المسارات الأخرى، مما جعل شريحة كاملة من التافهين تتسيد المشهد و الهرم، فتكتسب الثقة التي لا تستحقها، ربما قد يكون هذا مبررا لتهدئة وخدمة صراعات سوق الحياة التي نعيشها. ثانيا: الدور الذي أصبحت تلعبه وسائلنا الإعلامية وخصوصا التجارية منها وحتى المجتمع في ترميز التافهين والسماح لهم احينا بتمثيل شريحة من الناس سياسيا من خلال بعض الحملات الانتخابية او الاشهارات التجارية، كما يقال أي تحويلهم الى رموز ومحل نجاح مع التقليص التدريجي لصور النجاح الحقيقية الهادفة والتي تعرفها البشرية ككل، والمتمثلة في العمل الجاد والتربية والخير للأهل والمجتمع والمواطنة الصالحة وحسن الخلق والبحث العلمي الهادف الذي تم الغائه من قائمة النجاح، حتى اختزلنا الشهرة الفارغة والمال الفاسد فقط وبأي وسيلة كان، وهذا التقليص حسب اعتقادي الشخصي يجب أن نسأل ونحاسب عليه جميعا، حتى لا تصبح الكريزمات التي يعرفها الكل بمعناها الحقيقي والهادف غير فعالة ويكون مبالغ فيها وتصبح الكاريزمة التافهة مرحة بشكل مطلق معتقدة في نفسها أنها هي قائدة الهرم وسفينة حياتنا ومجتمعاتنا وقدوة أجيالنا القادمة.
للمزيد من التفاصيل...