*مصطفى بنحمزة يناقش حقوق الرسول على أمته وعبد الحميد عشاق يطرح تحديات المعرفة الرقمية*
من حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته، إلى مستقبل السيرة النبوية في عصر الذكاء الاصطناعي، تعددت القضايا التي تناولها لقاء علمي احتضنته دار الحديث الحسنية بالرباط، الخميس 8 أكتوبر 2026، بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، بمشاركة عدد من العلماء والأساتذة والباحثين والطلبة.
اللقاء، الذي أدار أشغاله الأستاذ بوشتى الزفزوفي، أستاذ علم الحديث بدار الحديث الحسنية، جاء في سياق الأنشطة العلمية المرتبطة بالرسالة التي وجهها الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، إلى المجلس العلمي الأعلى، والداعية إلى مزيد من العناية بالسيرة النبوية والتعريف بها لدى مختلف فئات المجتمع.
واستهلت الأشغال بتلاوة آيات من القرآن الكريم والاستماع إلى النشيد الوطني، قبل عرض شريط تناول تاريخ العناية المغربية بالتراث النبوي، ولا سيما جهود ملوك الدولة العلوية في حفظ مؤلفات الحديث والسيرة وتدريسها ونشرها.
واستعرض الشريط مشروعا علميا من 15 محورا، أعده أساتذة وحدة الحديث والسيرة النبوية بدار الحديث الحسنية، يشمل تحقيق المخطوطات، وإعداد دراسات حول المؤلفات المغربية في السيرة، وترجمة بعض نصوصها إلى لغات أجنبية، وتنظيم ندوات ومعارض للمخطوطات، فضلا عن إحداث كرسي علمي للسيرة النبوية وتشجيع الإنتاج الأدبي والرقمي المرتبط بها.
وفي كلمته الافتتاحية، طرح الدكتور عبد الحميد عشاق، مدير دار الحديث الحسنية، سؤالا حول ما يمكن أن تتركه هذه الذكرى من أثر يتجاوز الاحتفاء بالمناسبة، معتبرا أن تجديد البحث في السيرة النبوية يقتضي الانفتاح على القضايا التي تشغل المجتمعات المعاصرة.
وتوقف عشاق عند ثلاثة أسئلة تتعلق بطبيعة البحث المطلوب في السيرة، وسبل تقريبها من مختلف فئات المجتمع، والمكانة التي يمكن أن تحتلها في عالم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن دراسة السيرة لم تعد تقتصر على استعادة الوقائع التاريخية، بل تستدعي الاستفادة من العلوم الإنسانية والاجتماعية لفهم قضايا الأسرة والهوية والهجرة والحرية والعدالة والبيئة والعيش المشترك، مع المحافظة على قواعد التحقيق العلمي للنصوص والروايات.
وأثار مدير المؤسسة إشكالية موثوقية المعلومات الدينية التي تعتمد عليها التطبيقات الرقمية، متسائلا: «أي سيرة ستتعلم منها الآلة؟»، وداعيا إلى إعداد مرجع رقمي علمي موثوق للسيرة النبوية، يميز بين مراتب الروايات ويضع الأخبار في سياقاتها التاريخية.
واعتبر أن هذا التحدي يتجاوز مجرد رقمنة الكتب، ليرتبط بموقع السيرة النبوية في إنتاج المعرفة وتداولها خلال السنوات المقبلة.
أما المحاضرة الرئيسية، التي ألقاها العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة، عضو المجلس العلمي الأعلى، تحت عنوان «تأملات في حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم على أمته»، فقد تناولت مفهوم الحقوق النبوية كما ورد في مؤلفات العلماء، وخاصة كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض.
وانطلق بنحمزة من العلاقة بين الحقوق والواجبات، موضحا أن الحقوق المترتبة على المؤمنين تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم تقابل ما أداه من واجبات في تبليغ الرسالة.
وتناول في هذا السياق الإيمان بنبوته ورسالته، ومعرفة مكانته في العقيدة والشريعة، وإدراك عظمته وخصوصيات رسالته، إلى جانب توقيره وطاعته.
كما ناقش المحاضر قضايا عقدية وفكرية تتعلق بالتمييز بين النبوة والرسالة، وامتداد الرسالة المحمدية في الزمان والمكان، وتفسير النصوص الدينية وأسباب النزول، مستحضرا آراء عدد من علماء أصول الدين ومواقف بعض المفكرين المعاصرين.
واستشهد بنحمزة بكتابات تناولت الشخصية النبوية من خارج الدائرة الإسلامية، من بينها أعمال نظمي لوقا ومايكل هارت، في سياق حديثه عن حضور الرسول صلى الله عليه وسلم في الدراسات التاريخية والفكرية، مشددا على أهمية الرجوع إلى المصادر الموثقة عند تناول السيرة النبوية.
وفي جانب آخر من اللقاء، قدم الدكتور أحمد السنوني، المدير المساعد المكلف بالبحث العلمي والشراكة والتعاون، معطيات حول الأعمال المنجزة والمشاريع الجاري إعدادها في مجال الدراسات السيرية.
ومن بين هذه الأعمال تحقيق مخطوط «الأنوار النبوية في آباء خير البرية»، وإعداد دليل للأطاريح والرسائل الجامعية المتعلقة بالسيرة النبوية، والعمل على معجم للمؤلفات المغربية في هذا المجال، إلى جانب التحضير لندوات وطنية ودولية وإصدارات علمية تتناول السيرة من زوايا تاريخية وفكرية واجتماعية.
من جهته، تناول الدكتور طارق طاطمي واقع تدريس السيرة النبوية في التعليم العالي، مستعرضا التجربة الأكاديمية لدار الحديث الحسنية، ومشيرا إلى أن البحوث المرتبطة بالسيرة تمثل نحو 5.6 في المائة من مجموع البحوث المناقشة بالمؤسسة، وفق الإحصائيات التي قدمها.
وتوقف طاطمي عند محدودية الحيز المخصص للسيرة النبوية في بعض المسالك الجامعية، مقابل الحاجة إلى تطوير البحث في مناهج التأليف السيري وتحقيق المخطوطات ودراسة الإسهامات المغربية في هذا التخصص.
وعرفت الندوة كذلك فقرة أدبية قدمها حسن بوفارس، خريج دار الحديث الحسنية، تضمنت مختارات من شعر المديح النبوي في التراث المغربي والأندلسي، مع عرض نماذج من الخط المغربي.
وفي ختام اللقاء، جرى تتويج الفائزين في مسابقة حفظ أحاديث «الشمائل المحمدية» للإمام الترمذي، حيث حصلت نهى تيبوشة على المرتبة الأولى، وإكرام القشوش على المرتبة الثانية، فيما تقاسمت عائشة المقدم وحليمة الإدريسي المرتبة الثالثة، ونال الطالب الإندونيسي عبد الرحمن داوود جائزة تشجيعية.
كما أعلن عن تخصيص ثلاث عمرات للفائزات بالمراكز الثلاثة الأولى، مهداة من المجلس العلمي الجهوي لجهة الشرق، الذي يرأسه الدكتور مصطفى بنحمزة.
وقد عكست المداخلات تباين زوايا تناول السيرة النبوية، بين الاشتغال على نصوصها ومصادرها التراثية، ومراجعة مناهج تدريسها، والبحث عن سبل حضورها في الوسائط الرقمية الحديثة، وهي قضايا تضع أمام الباحثين أسئلة تتجاوز حدود المناسبة الدينية إلى مستقبل الدراسات السيرية وطرق إنتاج المعرفة المرتبطة بها.
للمزيد من التفاصيل...