لم يعد الرهان أمام وزير الصحة والحماية الاجتماعية الجديد، يونس بجيجو، مقتصرا على إصدار النصوص وإعلان المشاريع، بل أصبح مرتبطا بقدرة الإصلاح على تغيير واقع المؤسسات الصحية وظروف اشتغال مهنييها. ومع انطلاق حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، عقب انتخابات 23 شتنبر 2026، يتقدم سؤال النتائج على سؤال النوايا: هل يلمس المواطن علاجا أفضل، وهل يجد المهني شروطا أكثر إنصافا واستقرارا؟
ويكتسي هذا السؤال بعدا سياسيا مع إسناد حقيبة الصحة و الحماية الاجتماعية ضمن الحصة الحكومية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، غير أن المسؤولية لا تقع على الوزير وحده. فترجمة الحق في الصحة إلى خدمة عمومية متاحة تتطلب التزاما حكوميا مشتركا بالتمويل والتوظيف وتقليص الفوارق المجالية.
وفي هذا الإطار، تمثل التجربة الأكاديمية والتدبيرية لبجيجو رصيدا مهنيا، لكنها تطرح أيضا اختبار الانتقال من إدارة مؤسسات بعينها إلى قيادة منظومة وطنية تتفاوت حاجياتها وإمكاناتها من جهة الى اخرى و من اقليم الى آخر.
ويبرز هذا الاختبار بوضوح في ورش إعادة الهيكلة. فقد وضع القانون الإطار 06.22 والقانونان 08.22 و09.22 أسسا جديدة لحكامة المنظومة والوظيفة الصحية، لكن قيمة الهندسة القانونية تظل رهينة بآثارها الميدانية. لذلك تستدعي تجربة المجموعات الصحية الترابية تقييما موضوعيا لما تحقق وما تعثر، بالاستناد إلى جودة الخدمات واستقرار العاملين ووضوح المسؤوليات، قبل توسيع النموذج، وبمشاركة العاملين والمرتفقين في عملية التقييم. فالتقييم ليس رفضا للإصلاح، بل شرط لتصحيح مساره. وتزداد أهميته مع إرساء الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، إذ ينبغي ضبط العلاقة بين الوزارة والمجموعات والوكالات، حتى لا يؤدي تعدد المؤسسات إلى تشتت القرار أو ضياع المسؤولية عند انقطاع خدمة أو تأخر معالجة.
ومن إصلاح الهياكل إلى إصلاح شروط العمل، لا يمكن مطالبة المهنيين بالمزيد من النجاعة دون الوفاء بالالتزامات تجاههم. ويظل استكمال اتفاق 23 يوليوز 2024، وتسوية مستحقات الترقيات والتعويضات، وتفعيل الجزء المتغير من الأجرة ومنحة المردودية، وضمان حركة انتقالية منصفة، مدخلا لاستعادة الثقة. كما تقتضي هذه الثقة حماية العاملين من الأخطار والاعتداءات وصون الحريات النقابية وإرساء حوار مؤسساتي منتظم يسبق الاحتقان ولا ينتظر انفجاره.
غير أن إنصاف العاملين لا ينفصل عن معالجة الخصاص الذي يثقل كاهلهم ويؤثر على المرضى. فمن المفارقات استمرار حاجة مؤسسات صحية إلى أطر إضافية، بينما ينتظر خريجو كليات الطب ومعاهد التمريض وتقنيات الصحة فرص التوظيف ومعاهد التكوين في الميدان الصحي. ويستدعي تجاوز ذلك خريطة وطنية للحاجيات، وبرمجة مالية متعددة السنوات، وتحفيز العمل بالمناطق الصعبة، إلى جانب إخراج مصنف المهن والأعمال وفتح المسار التشريعي للهيئة الوطنية للممرضين وتقنيي الصحة، مع إنصاف مختلف الفئات المهنية.
وتقودنا هذه الأولويات إلى المعيار الذي ينبغي ألا يغيب عن أي نقاش قطاعي، و هو تجربة المواطن داخل المرفق الصحي. فهو ينتظر موعدا معقولا وطبيبا متاحا ودواء متوفرا وتجهيزا صالحا للعمل، لا مجرد تغيير في الهيكلة. ومن ثم، ينبغي وصل تعميم الحماية الاجتماعية بتقوية الرعاية الأولية والمستعجلات والنقل الصحي، وضمان تكامل المؤسسات والوكالات المتخصصة، ومراقبة الشراكات مع القطاع الخاص بما يصون مسؤولية الدولة عن الخدمة العمومية. وفي المقابل، يظل حسن الاستقبال وأخلاقيات الممارسة التزاما مهنيا لا يستقيم دون ظروف عمل ملائمة. وتكتسب العدالة المجالية هنا معنى ملموسا: لا يكفي الإعلان عن تجهيزات وطنية إذا ظلت مناطق قروية تعاني صعوبة الوصول إلى التشخيص والعلاج. ولهذا يجب توجيه التمويل والاستثمار والموارد البشرية وفق مؤشرات الخصاص، لا وفق منطق توزيع المشاريع فقط.
وحتى لا تبقى هذه الأولويات عناوين عامة، يمكن أن تشكل المائة يوم الأولى مناسبة لإعلان خطة حكومية محددة الآجال والمسؤوليات والموارد: جرد وجدولة للمستحقات، ورزنامة للتوظيف والحركة الانتقالية، وتقييم منشور لتجربة المجموعات الصحية الترابية، ومؤشرات دورية لآجال العلاج وتوفر الأدوية والأطر. بذلك يصبح الحوار الاجتماعي والتقييم والمساءلة أدوات للتنفيذ، لا مجرد وعود متجددة.
إن الاختبار الحقيقي أمام الوزير الجديد والحكومة ليس عدد القرارات المعلنة، بل أثرها في عام الحياة اليومية. فلا إصلاح صحيا ناجحا دون إنصاف المهنيين، ولا معنى لهذا الإنصاف إن لم ينعكس على حق المواطنين في علاج كريم وعادل.
للمزيد من التفاصيل...