حين استحضر جلالة الملك محمد السادس، في خطابه أمام البرلمان بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، عبارته التي قالها سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»، لم يكن الأمر مجرد استعادة لعبارة تختزل الارتباط بالوطن، بل تأكيدا على معنى أعمق للانتماء، يتجاوز العاطفة إلى المسؤولية، والفخر بالتاريخ إلى الالتزام بصناعة المستقبل. وقد منح الخطاب الملكي لهذه الععبارة بعدا أكثر وضوحا حين أكد أن الاعتزاز بالوطن ليس من أجل التباهي أو التعبير عن الرضا عن النفس، بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني. وهنا تكمن الرسالة الأهم: أن تكون مغربيا وتعتز بمغربيتك لا يعني فقط أن تحب وطنك، بل أن تتحمل نصيبك من المسؤولية تجاهه، أيا كان موقعك داخل المجتمع. فالمغربية ليست مجرد جنسية تحملها وثيقة رسمية، ولا انتماء نستحضره في المناسبات الوطنية أو عند انتصارات المنتخب المغربي، وإنما علاقة يومية بين الإنسان ووطنه، تتجسد في السلوك والعمل والالتزام واحترام الحقوق والواجبات. المواطن الذي يعتز بمغربيته هو الذي يحترم القانون والفضاء العام، ويحافظ على الممتلكات المشتركة، ويؤدي واجباته بقدر ما يدافع عن حقوقه، ويرفض الغش والفساد، ويساهم، بما يستطيع، في تقدم مجتمعه. وليس مطلوبا من المواطن أن يكون صاحب منصب أو ثروة حتى يخدم وطنه. فالأستاذ الذي يؤدي رسالته بإخلاص، والطبيب الذي يصون كرامة مرضاه، والعامل الذي يتقن مهنته، والصحافي الذي يتحرى الحقيقة، والمقاول الذي يحترم التزاماته، والشاب الذي يجتهد لبناء مستقبله، جميعهم يمنحون للاعتزاز بالمغربية مضمونا عمليا يتجاوز الشعارات. كن هذا المعنى يصبح أكثر إلزاما عندما يتعلق الأمر بمن يتحملون المسؤولية العمومية. فإذا كان المواطن مطالبا بأن يترجم انتماءه إلى سلوك مدني، فإن المسؤول مطالب بأن يترجمه إلى نزاهة وفعالية وخدمة للصالح العام. وكلما اتسعت سلطة القرار، تضاعف حجم الواجب الوطني. لا يكفي أن يردد المسؤول عبارات الفخر بالمغرب، بينما يتأخر في معالجة ملفات المواطنين، أو يتساهل مع الاختلالات، أو يتعامل مع المنصب باعتباره امتيازا شخصيا لا تكليفا لخدمة المجتمع. فالاعتزاز الحقيقي بالمغربية بالنسبة إلى المسؤول لا يقاس بحرارة الخطابات ولا بكثرة الصور والمناسبات، وإنما بقدرته على الإنصات للمواطنين، وحل مشاكلهم، وصيانة المال العام، واتخاذ القرارات في وقتها، وتحمل تبعاتها بشجاعة. ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن بعض مظاهر الاعتزاز بالوطن قد تتحول أحيانا إلى خطاب اختفالي يغطي على واقع يحتاج إلى النقد والإصلاح. والحال أن الوطنية الصادقة لا تتعارض مع مساءلة الاختلالات، بل تجعل مواجهتها واجبا أخلاقيا. فمن يحب المغرب لا ينبغي أن يخشى الجهر بما يحتاج إلى إصلاح، ومن يعتز بمغربيته لا يمكن أن يكون غير مبال بما يعانيه مواطن آخر من ظلم أو تهميش أو ضعف في الخدمات الأساسية. بل إن الدفاع عن كرامة المواطن هو في جوهره دفاع عن كرامة الوطن، لأن قوة الدول لا تقاس فقط بتاريخها ومؤسساتها وإنجازاتها الكبرى، وإنما أيضا بمكانة الإنسان داخلها وبمدى ثقته في العدالة وتكافؤ الفرص. والاعتزاز بالمغربية لا يلغي الاختلاف بين المغاربة في آرائهم وتوجهاتهم وقناعاتهم. فالوطن يتسع للجميع، والوطنية ليست حكرا على حزب أو مؤسسة أو فئة اجتماعية، ولا تمنح أحدا حق توزيع شهادات الانتماء على الآخرين. إنها رابطة مشتركة ينبغي أن تسمو فوق الحسابات الضيقة، وأن تجعل المصلحة الوطنية أرضية للالتقاء، دون أن تلغي حق الاختلاف والنقد والمساءلة. ولعل أجمل ما في استحضار الملك لعبارة الاعتزاز بالمغربية أنه نقلها من مستوى الشعور الشخصي إلى أفق المسؤولية الجماعية. فالمغرب الذي يحق لأبنائه الافتخار بتاريخه العريق وهويته الحضارية ومكاسبه، يحتاج بالقدر نفسه إلى مواطنين ومسؤولين يدركون أن الحفاظ على تلك المكاسب وتطويرها لا يتحققان بالاعتزاز وحده. إن الوطنية ليست فقط أن نفرح عندما ينتصر المغرب، بل أن نسأل أنفسنا كل يوم عما قدمناه ليكون أفضل. وليست أن نرفع العلم في لحظات الفرح فحسب، بل أن نحترم القيم التي يمثلها في تفاصيل حياتنا اليومية. وليست أن نتحدث عن عظمة الوطن، بل أن نعمل حتى يشعر كل مواطن بأن لهذه العظمة أثرا في حياته وكرامته ومستقبله. «أعتز بمغربيتي» عبارة يستطيع كل مغربي أن يقولها بفخر، لكن قيمتها الحقيقية تظهر فيما يفعله بعد أن يقولها. فالمواطن يثبت اعتزازه بسلوكه، والمسؤول يثبته بقراراته، والمنتخب يثبته بوفائه لثقة الناخبين، وصاحب السلطة يثبته باحترامه للقانون وحقوق الناس. قد نختلف في مواقعنا ومسؤولياتنا وقدراتنا، لكننا نتقاسم الانتماء نفسه، ونحمل، كل من موقعه، جزءا من مسؤولية الوطن. فالاعتزاز بالمغربية ليس مجرد فخر بما ورثناه من تاريخ، بل التزام بما سنتركه من وطن للأجيال القادمة.
للمزيد من التفاصيل...