لقاء لمناقشة القيم في زمن الجوارح

نظمت جمعية “تميز” لقاء عن بعد مؤخرا، للإجابة على سؤال موضوع “السؤال الثقافي:القيم وزمن الجوارح”، من أجد مقاربة الارتدادات المسترسلة لوباء كورونا،على مستوى مختلف الأنساق الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية للوضعية المغرب اليوم في ظل مواجهته للجائحة.
وتطور اللقاء الثقافي،بالاستماع إلى مداخلة المفكر و الباحث الأكاديمي “حسن اوريد”، بالإضافة إلى أنه منشغل بتتبع تحولات و تطورات المستوى الثقافي بالمغرب، و مهتم برصد مجالات التناقض و التدافع المجتمعي الثقافي التي يشهدها البلد كباقي دول العالم، بانتشار حالة من القلق العام و ضغط السياق، و تزايد انتظار المواطن لمستقبل لا تشوبه العراقيل خاصة الاقتصادية منها.
و حرص اوريد على ربط الواقع المعيش بالماضي، فهو يؤكد أن الحدث مرتبط بسيرورة تاريخية متواصلة ساهمت في خلقه، مستهلا ذلك بانهيار جدار برلين و انتهاء القطبية الثنائية و بروز القطبية الواحدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، و تحكم العولمة في مسار الحياة العامة، معرجا على مشاريع الليبرالية التي وصفها بالمتوحشة، مضيفا أزمة 2008 الاقتصادية ،التي ساهمت بشكل قريب في التحكم بمسار بلادنا.
و ناقش الأستاذ أوريد جائحة كورونا مع مع باقي المشاركين، وهو يؤكد على دورها الكبير في إحداث انعطافة كبرى في تركيبة العلاقات الدولية، بالنظر لحجم التغيير الذي غدت تدخله على التراتبية في علاقة القوى العظمى ببعضها البعض، في سياق انبثاق معالم اندلاع حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، مركزا على منطلقات تجاوز انغلاق المرحلة، من خلال جرأة فكرية على إثارة قضايا مركزية في إعادة ترتيب موازين القوى على الساحة الدولية.
لقد انتبه الأستاذ أوريد إلى أن العالم أضحى يعيش مرحلة اللايقين الناجم عن تعميم هواجس التوجس والريبة. وتأكد ذلك مع تزايد حدة الانتقادات الموجهة لمنطلقات الهيمنة واللاتوازن التي كرسها تيار العولمة على الساحة الدولية، بالنظر لارتباطه بمصالح الدول الغنية التي ازدادت غنى وتسلطا، في مقابل تزايد مخاطر الفقر والهشاشة وانحسار مشاريع التحديث في دول العالم الثالت.
وتأكد ذلك مع الهزات العنيفة التي حملتها ارتدادات جائحة كورونا داخل نظيمة القيم، من خلال التأكيد على عجز التطور العلمي الحديث عن مواجهة الكارثة، ومن خلال عزل منطلقات التغيير عن أسسها المعرفية والمجتمعية القيمية، بعد أن تم اختزال التحديث في بعده التقني المحض.
وداخل هذا المسار العام، انتبه الأستاذ أوريد إلى أن المغرب والعالم أضحى في حاجة إلى فئة من المثقفين تمتلك جرأة طرح الأسئلة الحقيقية التي تقول للنظام: “كفى”، في سعيها المتواصل لمواجهة أي ردة عن الديمقراطية وفي ظل تدهور اقتصادي واضح يوفر للدولة المبررات الكافية للتسلط وللهيمنة، داعيا لتجديد الحسابات و عقد اجتماعات جديدة مع الطبيعة، مع إعادة الاعتبار للعلاقات بين المجتمعات من خلال بلورة قيم و قواعد جديدة مغاير للسابقتها، بالاستفادة من الوضعية الراهنة.
و طرح باقي الأساتذة مجموعة من التعقيبات و التساؤلات الاستنكارية ، ساهمت في إعادة تسليط الضوء على الجزئيات المتفرعة عن التصور المركزي الذي انبنت مداخلة الأستاذ أوريد عليه، وخاصة في جوانبها المرتبطة بالتفسيرات التاريخية لمرحلة القطائع الكبرى التي يقوم عليها فعل التحقيب التاريخي لماضي البشرية، وقضايا البيئة، وموقع المثقف داخل فعل التغيير، ومآل انتكاسات العولمة مع تصاعد نزوعات الانغلاق على الذات داخل الدولة القطرية، وفشل مشاريع التحديث التقاني.
هي أسئلة الراهن التي تستشرف المستقبل، من أجل تجاوز كل ردود الأفعال السريعة تجاه ما يقع الآن من ضغط رهيب، تشكل جائحة كورونا إحدى أهم عناصر تأجيج بواطنه المرتبطة بتناقضات النظام العالمي ومظاهر الخلل التي تطبع بناه.