أكد محمد شنضيض، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط، أن حوادث السير أضحت ظاهرة إنسانية مقلقة ترقى إلى مستوى “حرب معلنة” تستنزف الموارد المالية للدولة، بالنظر إلى الكلفة المرتفعة لمخططات وآليات الوقاية، وما تخلفه من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات وإعاقات تحرم المجتمع من طاقاته الحيوية.
وأبرز المسؤول القضائي، خلال ندوة صحفية احتضنتها المحكمة الابتدائية بالرباط اليوم الأربعاء حول “أثر العمل القضائي في ترشيد السلوك الطرقي: دراسة الأبعاد الوقائية للأحكام الزجرية لمدونة السير على الطرق”، أن هذه الحوادث تتسبب يوميا في مصرع عشرة أشخاص وإصابة حوالي 250 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، فيما يتجاوز عدد الوفيات سنويا 3500 حالة، إلى جانب تسجيل نحو 12 ألف إصابة بليغة.
وتصل التكلفة الاقتصادية لهذه الآفة إلى ما يناهز 17 مليار درهم سنويا، أي ما يعادل 2,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وشدد شنضيض على أن النيابة العامة، باعتبارها حارسة على النظام العام، تتعامل مع حوادث السير باعتبارها مآسي اجتماعية تمس كيان الأسر، وليس فقط من زاوية النصوص القانونية المجردة، مستحضرا في هذا السياق مقولة الفيلسوف جان جاك روسو الواردة في كتابه العقد الاجتماعي: “إن القوانين بلا أخلاق لا قيمة لها”، معتبرا أن المعركة في الطرقات معركة أخلاقية بالأساس، وأن العقوبة ليست انتقاما بقدر ما هي تذكير بالواجب.
وأشار إلى أن هذه المحطة التواصلية تتجاوز الطابع البروتوكولي، لتعكس استجابة لنداء الضمير أمام فواجع يومية تستنزف الحق في الحياة، مبرزا أن قضية السلامة الطرقية لم تعد شأنا تقنيا صرفا، بل تحولت إلى قضية مجتمعية ذات أبعاد حقوقية وزجرية وإنسانية.
وفي هذا الإطار، أوضح أن النيابة العامة جعلت من تعزيز النجاعة القضائية في حماية السلامة الطرقية أولوية ضمن المخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة، تنفيذا للتوجيهات الداعية إلى الحزم في مواجهة السلوكيات المتهورة، وضمان عدم الإفلات من العقاب في القضايا التي تزهق فيها الأرواح، بما يكرس عدالة فعالة وقريبة من المواطن، تحمي الأرواح وتصون الحقوق.
ولفت وكيل الملك إلى أن المقاربة الزجرية، رغم أهميتها، لا تكفي لوحدها للحد من هذه الظاهرة، ما لم تواكبها رؤية وقائية تشاركية، داعيا مختلف المتدخلين إلى ترسيخ ثقافة تعتبر احترام قانون السير أسمى تجليات المواطنة، والانتقال من منطق “زجر المخالفة” إلى “صناعة الالتزام الذاتي”، حتى يصبح الضمير الجمعي ركيزة أساسية لتعزيز السلامة الطرقية والحد من النزيف البشري والمادي الذي تتحمله المملكة سنويا.