في مثل هذا اليوم، 23 يوليوز من سنة 1999، أسدل الستار على حقبة تاريخية هامة من تاريخ المغرب، برحيل الملك الحسن الثاني، أحد أبرز الشخصيات السياسية في العالم العربي خلال القرن العشرين، وملك طبع مملكته بحنكة فريدة وقيادة استثنائية دامت 38 سنة.
تولى الحسن الثاني العرش سنة 1961 عقب وفاة والده الملك محمد الخامس، مؤسس الاستقلال وباني الدولة الوطنية الحديثة. وبمجرد اعتلائه العرش، شرع الحسن الثاني في وضع أسس المغرب المؤسساتي، من خلال أول دستور سنة 1962، الذي شكل بداية المسار الدستوري للمملكة.
ورغم الأزمات السياسية والاقتصادية التي طبعت فترة الستينيات والسبعينيات، تمكن الحسن الثاني من الحفاظ على استقرار الدولة وتعزيز حضورها، إذ كان يرعى في آن واحد المشروع السياسي الدستوري، وبناء هياكل الدولة الحديثة، ومواجهة التحديات الأمنية التي عصفت بالمنطقة في فترات متفرقة.
وتبقى المسيرة الخضراء سنة 1975 واحدة من أبرز إنجازات الحسن الثاني، إذ استطاع بفضل قيادة استراتيجية متبصرة أن يسترجع الأقاليم الصحراوية للمملكة، دون إراقة دماء، في واحدة من أنجح العمليات السلمية الجماهيرية في التاريخ المعاصر.
وقد شكلت قضية الوحدة الترابية أولوية مركزية في توجهات الحسن الثاني، حيث أدارها دبلوماسيا وقانونيا بتوازن كبير، واضعا اللبنات الأولى لما أصبح اليوم موقفا سياديا يحظى باعتراف واسع دوليا.
وأطلق الحسن الثاني مشاريع كبرى همت التعليم، الفلاحة، البنية التحتية والمجال الديني، وكان من بين أبرز مهندسي سياسة بناء السدود، والتي ساهمت في تعزيز الأمن المائي والزراعي للمملكة.
كما أعطى الملك الراحل أهمية خاصة للمؤسسات الدينية، وترسيخ المرجعية الإسلامية المالكية المعتدلة، باعتبارها دعامة لوحدة الأمة المغربية، ومصدأ ضد التيارات المتطرفة.
وبرحيله يوم 23 يوليوز 1999، طُويت صفحة من تاريخ المغرب المعاصر، بكل ما حملته من تحديات وإنجازات وتحولات عميقة. وقد شكّل هذا الرحيل لحظة إجماع وطني حول إرث ملك لم يكن فقط زعيما سياسيا بل مهندسا لتوازنات الدولة واستمراريتها.
وفي ذكرى وفاته، يستحضر المغاربة مسار الحسن الثاني برمته، بما فيه من دروس سياسية وعبر تاريخية، ويجددون الارتباط بتاريخهم الملكي الممتد، الذي يظل الضامن الأول لاستمرار الدولة في ظل التحولات العميقة التي يعرفها العالم.