الواقع والخيال كلمتان مختلفتان من حيث المعنى والدلالات، فالواقع هو حقيقة أمر ملموس لحدث ما قد وقع، أما الخيال فهو حدث وهمي غير ملموس لا علاقة له بالعقل المجردة بل هو مخلوق في مخيلة الشخص وتفكيره فقط. حيث يعتبره البعض بعالم المحبطين الفارين من مواجهة قساوة الواقع، أو أنه مجرد أحلام يقظة لا تصلح إلا للكسالى، أما البعض الأخر فقد يعتبره كل شيء ويمكنه أن يفوق في بعض الأحيان المعرفة نظرا لأهميته في فن اختراق واختراع العالم، وهذا لمن أحسن استخدامه، لأنه قد يساعد على تخطي العقبات وتقوية الذاكرة وتهدئة النفس وزيادة المعرفة وفتح الطريق للإبداع والابتكار. وحسب العالم البريت أينشتاين ” ALBERT EINSTEIN ” فإن الخيال يعد ذا أهمية أكبر من المعرفة لأن المعرفة محدودة والخيال واسع وقد يحيط بالعالم، وحسب العالم الإنجليزي الملقب بلويس كارول ” LEWIS CARROLL” فان الخيال قد يعد السلاح الوحيد في الحرب ضد الواقع، وأنا أرى وأعتبر أن الخيال هو بمثابة الجناح والحصن لكل فرد للهروب من قساوة الحياة إذا ما أحسن أدائه بكل واقعية مع الحياة وتم دمجه بصفاء التفكير وحسن الخلق.
فسؤالي لبعض شباب وجيل اليوم، يا من منحهم الله عزوجل عقلا يفكرون به وفي الحال الذي هو عليه، هل فعلا أنتم راضون على وضعكم الذي تغلب عليه عدم الجدية والتفاهة، الا تعتبرون بأولئك الذين ساقهم الضياع الى المهالك حتى اصبحوا يعانون الإدمان والاجرام ويتجرعون آلام جدران السجون، فكيف بهم وقد ضيعوا مستقبلهم وأساءوا الى عائلتهم وأهلهم الهموم والاحزان: كالماسي الأخيرة التي شهدتها احداث مباراة كرة القدم بين فريق الجيش الملكي والرجاء الرياضي حيث شهذ هذا الحدث الكروي تدمير منشئات رياضية كان يضرب بها المثل، هذه المباراة التي في الحقيقة هي سوى مجرد لعبة وترفيه لكنها في الواقع الفعلي الذي شهدناه أصبحت تخريب ومآسي للعديد من الاسر.
لا شك أن العديد من الشباب اليوم اصبح يعيش في ظل فراغ رمزي حيث نجده يتخبط بين نماذج سلوكية مستوردة دخيلة على محتمعنا وتقاليدنا واصبحث وصورة باهتة عن المستقبل في غياب مرجعيات فكرية واخلاقية تربوية واضحة حيث يجدون انفسهم بين متغيرات وصراعات ما بين التعليم والتربية وما بين الاعلام والشارع وما بين الوعود وأوهام الشهرة السريعة غير الخلاقة بشتى الطرق، نتيجة المقارنات المستمرة وغير الحقيقية عبر وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأخيرة التي اثرت وبشكل كبير على بعض شباب اليوم وشعورهم بعدم الرضا عن حياتهم، اذ نجدهم اليوم يقارنون كواليس حياتهم الواقعية المتغيرة بما يرونه من أفضل لحظات الاخرين الخداعةوالخيالية، وهذا ما ولَد فيهم إحساسا زائفا بالتأخر عن الركب والغيرة المملوءة بالغل والتخريب.
والأكثر غرابة هو أننا اليوم نجد السجون أصبحت أماكن للتباهي بين بعض الشباب بفضل المؤثرين التافهين الدخلين على ثقافتنا المثلى، وهذا ما كان عكس حال السنوات الماضية، حيث كان الشخص يخجل من سماع الناس أنه سجن كيفما كانت هي عقوبته، فما الذي تغير اليوم اذن.
أليس جيل اليوم هو أكثر الأجيال تعلما ورفاهمة مقارنة مع سابقه وذلك بفضل الإمكانات المتاحة له؟ هل هناك خلل في التعليم أم في التربية أم في الثبات الاسري أم في المسارات المختارة والشهادات المنتهية الصلاحيات ام فيهما معا؟.
فحقيقةً من منا لم يمض خلال أعوامه وسنواته الماضية أو المستقبلية في تخيل أمر ما؟، مع وضع السيناريوهات والتخيلات السعيدة التي من الممكن أن يكون عليها، وهذا راجع في الأساس إلى رغبة الشخص أن تكون له نهاية سعيدة ونور في نهاية النفق المظلم الذي يمر منه.
لذا نجد أن اغلب الناس تقول وتردد كلمة القادم أجمل، أو غدا سوف تعتدل الأمور. لأن البشر بطبيعته متفائل، وهذه الصفة تساعده على تجاوز العقبات والتخيلات الوهمية غير المحققة.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل يمكن اعتبار الشخص خطرا على نفسه بسبب تخيلاته المستقبلية غير الواقعية والصعبة المنال؟ خصوصا إذا كانت مخيلاته مرتبطة بفرد أو فكرة وهمية،؟ وهل كثرة التشائمات هي ما تجعل الفرد منا ذا خيال واسع وصعب التحقيق؟ وهذا ما نراه بالفعل بكثرة في مواقف حياتنا، خصوصا إذا كان خيال الطرف منا مرتبط بأفكار وهمية خداعة وعشوائية، بحيث يضع كامل تخيلاته وأوهامه فيها دون أن تكون لديه معلومات كافية عنها أو يكترث حق مشاركتها، مما يجعل رصيده المعنوي ومخيلاته التربوية تنهار وبشكل كبير جدا . والأمثلة على هذا النوع كثيرة ، نذكر منها على سبيل المثال قصة واقعية لشخص أعرفه أشد المعرفة، حيث يحكى أن هذا الشخص كان ذا علاقة حميمية مع فتاة خلال فترة طفولته، وما أصابه من هوس على إثر لقائه بها بعد فراق سنوات بسبب ابتعاده عنها لظروف طارئة تتجلى في رغبته إتمام دراسته خارج بلده، وكان ذلك الشخص خلال فترة غيابه دائما مغموسا في خياله المنفرد وكثيرا ما يتخيل الطريقة التي سيعيش بها مع حبيبته عند عودته، إلا أن الواقع الملموس كان أقل كثيراً من خياله حيث انه عندما عاد والتقى بحبيبته اكتشف أمور واقعية تخالف مخيلاته الوهمية وهذا راجع بالأساس لحيويته الزائدة ووهمه الخيالي الواسع، وأنانيته المنفردة دون إشراك الطرف الاخر فيها.
فمن خلال تجربتي الحياتية اكتشفت أن الكثير منا هو في حالة ذهان ذاتي، الجميع يحاول الوصول إلى هدف معين وفق إطاره الزمني الخاص، دون الاكتراث بالبوصلة الزمنية والمكانية للطرف الآخر أو طموحاته وتخيلاته الخيالية، بحيث لا تجد من تستطيع أن تطلب منه التوقف بجانبك والأخذ بيدك. فالجميع في مرحلة انتقالية من حال إلى حال، لذا نجد أن التوسع في الخيال أو أي فعل لا يمكن أن يعود عليك بالمنفعة الا إذا كان خيالا مشتركا وغير مستحيل المنال أي قريبا من الواقع الفعلي.
لذا علينا أن ندرك أهمية الخيال الذي يجب أن يتميز به الشخص منا، وأن كلما استخدمناه بالشكل الصحيح لا محالة ستظهر ثماره على الكل، وفي نفس الوقت سيتحول الى واقع ملموس.
وبالتالي سيتم التقليل من مخاطره، خاصة مع ما نعيشه اليوم من تخبّطات وسط عالم تغلب عليه المظاهر الخادعة والمزيفة، التي ساهمت فيها وبشكل كبير وسائل التواصل غير الخلاقة والواقعية والمملوءة بالأكاذيب والانحلال الأخلاقي والتربوي، والتي تُعرض فيه الحياة على أنها سلسلة من النجاحات والسعادة المطلقة، مما يدفع الفرد إلى بناء خيالاته على صور غير حقيقية، ومقارنات كدابة لا أساس لها من الواقع. وبالتالي هنا سيتحول الخيال من وسيلة للإبداع إلى فخٍّ نفسي، يُغرق صاحبه في أوهام الكمال ويُبعده عن تقبّل ذاته وحياته ومجتمعه. فيجد نفسه ممزقًا بين ما يراه وما يعيشه، بين واقع بسيط وخيال مُضخّم، مما يزيد من إحباطه ويُفقده التوازن بين الطموح والواقعية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نترك الخيال يقودنا بعيدًا عن الواقع، أم نجعله وسيلتنا لصناعته؟ ربما يكمن الجواب في التوازن… حيث لا نكفّ عن الحلم، لكننا نتعلم كيف نحوّل الحلم إلى واقع .
كتاب و رأي
لنجعل الخيال واقعا
21 مايو 2026 - 11:21