هناك كلمات ورسالات لا تُقرأ فحسب، بل تُلهم وتختزل فلسفةً كاملة في القيادة والحكم. ومن بين هذه الكلمات، تبرز العبارة الملكية الخالدة: “لم أبحث يوماً عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي، بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم.” إنها عبارة تحمل في طياتها رؤيةً ورسالة عميقة تجعل الواجب أسمى من المجد، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتؤكد أن القيادة الحقيقية ليست سعياً وراء الأضواء والمكاسب الشخصية والحزبية، كما يفعل الكثير سامحهم الله بل هي التزامٌ صادق لخدمة شعب ووطن، وعمل متواصل من أجل كرامته ورقيه. ففيي زمن أصبحت فيه الزعامة عند البعض تُقاس بحجم الظهور الإعلامي، أو النفوذ السياسي، أو المكاسب الشخصية والمالية ولو على حساب الاخر، تأتي هذه الكلمات الرائعة لتعيد تعريف القيادة بمعناها النبيل، قيادةٌ أساسها المسؤولية، وغايتها الإنسان، ورسالتها بناء الوطن. إنها رؤية ملكٍ حكيم جعل المواطن المغربي محور سياساته العمومية، وتنميته الشاملة، وعدالته الاجتماعية، وكرامته الإنسانية وثوابت لمسيرته المباركة. وقد عُرف بعطائه الواسع، وسخائه الكريم، وحرصه الدائم على خدمة أبناء وطنه، كما ظل يحمل الخير لباقي الدول وشعوبها، دون منٍّ أو انتظار مقابل. ومنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، عرش أسلافه المنعمين، شهد المغرب نهضة تنموية غير مسبوقة شملت مختلف القطاعات، منها البنيات التحتية، والموانئ، والطاقات المتجددة، والمناطق الصناعية، والمرافق الرياضية، والمطارات، والمنشآت الصحية، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ الاستقلالية الدوائية، وتعميم الحماية الاجتماعية، فضلاً عن تعزيز مكانة المملكة قارياً ودولياً. غير أن ما يميز هذه المنجزات أنها لم تُقدَّم يوماً باعتبارها أمجاداً شخصية، بل باعتبارها ثمرة عمل جماعي تحت قيادة حكيمة، جعلت خدمة الوطن والمواطن الهدف الأسمى، والإخلاص للمسؤولية منهجاً ثابتاً. وتجسد هذه العبارة الملكية أيضاً تواضع قائدٍ لا ينشغل بصناعة الصورة، كما يفعل الكثير بل بصناعة المستقبل. فالاعتراف الحقيقي لا يُطلب، وإنما تمنحه الشعوب ويسجله التاريخ لمن يخلص في أداء رسالته، ويضع مصلحة وطنه فوق كل اعتبار. ولهذا، فإن المكانة التي بات يحظى بها المغرب على المستويين الإفريقي والدولي لم تكن هدفاً في حد ذاتها، وإنما جاءت نتيجة طبيعية لرؤية استراتيجية متبصرة، وسياسة متوازنة، وعمل دؤوب ومتواصل، رغم ما يحيط بالمملكة من حملات التشويش وكيد المتربصين. وحين نتأمل هذه الكلمات، نجد فيها تجسيداً لقيم الوفاء للمسؤولية، والإخلاص للوطن، والإيمان بأن قوة الدول لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على صون كرامة مواطنيها، وتحقيق العيش الكريم لهم، وفتح آفاق التنمية والأمل أمام الأجيال والشباب الصاعد. لقد أثبت صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من خلال مسيرته، أن القيادة ليست سعياً وراء الألقاب، وإنما عهدٌ دائم لخدمة الوطن والشعب. ولذلك، فإن مشاعر الاعتزاز والمحبة التي يكنها ملايين المغاربة لملكهم لم تولد من الخطابات وحدها، وإنما من رؤية تُرجمت إلى مشاريع وإصلاحات ومبادرات وتدابير استباقية منها جائحة كورونا وزلزال الحوز وفيضانات الشمال وغيرها تركت بصمتها الواضحة على مسار المملكة، وستظل ثمارها، بإذن الله، مشرقة في حاضر المغرب ومستقبله. وفي سياق الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة، وما رافقها من محاولات بعض الاشخاص دخول المدينة، سارعت بعض الجهات إلى استغلال تلك الوقائع لتصويرها وكأنها دليل على تراجع الانتماء الوطني أو فقدان الثقة في مسار التنمية الذي تعرفه المملكة. غير أن مثل هذه القراءات تفتقر إلى الموضوعية، ولا يمكن أن تختزل مشاعر شعب بأكمله في تصرفات فئة محدودة أو في أحداث ظرفية. فالمغاربة أثبتوا، في أكثر من محطة، عمق ارتباطهم بوطنهم ووفاءهم لملكهم، كما برهنوا على قدرتهم على الالتفاف حول الثوابت الوطنية كلما اقتضت المصلحة العليا ذلك. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه بعض المنصات الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي في نشر الأخبار المضللة والخطابات التحريضية المغشوشة، والتي تستهدف التأثير في فئة من الشباب واستغلال طموحاتهم أو أوضاعهم الاجتماعية لخدمة أجندات لا علاقة لها بمصلحة الوطن. وهو ما يجعل تعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة التحقق من الأخبار، والعمل الحكومي الجاد لخدمة الشباب والمواطن وليس المصالح والمكاسب الشخصية واغفال حقوق المواطن كما يحث في ذلك جلالته في العديد من الخطابات التي تتضمن التعاون الجماعي والابتعاد عن المصالح الضيقة لخدمة المواطن المغربي لا تقل كلها أهمية عن مواصلة مسيرة التنمية والإصلاح الذي يطمح اليه جلالته لكل المغاربة. ويبقى التاريخ شاهداً على أن القادة الذين يخلدهم الزمن هم أولئك الذين جعلوا خدمة أوطانهم وشعوبهم رسالتهم الأولى، واعتبروا المسؤولية أمانة قبل أن تكون سلطة، والإنجاز واجباً قبل أن يكون وساماً. ولهذا فعلى الكل حكومة وأحزاب ومسؤولين الالتزام بهذه الرسالة النبيلة لخدمة وطنهم وشبابه. فحفظكم الله، يا صاحب الجلالة، ويا أمير المؤمنين، وأدام عليكم نعمة الصحة والعافية، وأيدكم بنصره وتوفيقه، وجعل أعمالكم في ميزان حسناتكم، وجزاكم عن الوطن والشعب خير الجزاء. ونسأل الله تعالى أن يديم على المغرب نعمة الأمن والاستقرار، ويحفظه من كيد الكائدين، وأن يظل، بقيادتكم الرشيدة، شامخاً عزيزاً بين الأمم.
للمزيد من التفاصيل...