OLYMPUS DIGITAL CAMERA

ماذا يعني أن تصبح طبيباً في المغرب!

ارشيف

ونحن صغار، ربما كانت أكثر مهنة كنا نتمنى أن نمارسها عند الكبر «الطب».. ونحن نرص الدمى لنقوم بمعالجتها، ثم نخطط على أوراق حروف أقرب إلى لغة الفراعنة. ثم نلجأ لصيدلية البيت، نعبث بالأدوية هناك، نكتب «قبل الأكل» على إحدى العلب و»بعده» على أخرى

ربما كانت أكثر اللحظات فرحا بالنسبة لنا، هي عندما تجلب لنا «مجموعة أدوات الطبيب» البلاستيكية كهدية في مناسبة..نستغني حينها عن الدمى، ونقوم بحملة طبية على أفراد عائلتنا، نقيس ضغطهم وحرارتهم، نعطيهم إبراً مهدئة.. نحكي طويلاً عن مرض وهمي كل ما نعرف عنه ما سمعناه منهم أثناء حديث «الكبار» وما شاهدناه في حلقة من حلقات الرسوم المتحركة.

انكسر الحلم

ثم ونحن نكبر؛ وعند مواجهة سنوات الدراسة لولوج كلية الطب؛ نكتشف أنه ولتصبح طبيباً ستتجاوز عدة مراحل كانت أكبر من أن يستوعبها عقل الصغر. وبعد أن أصبحت طالبة في «كلية الطب».. انكسر الحلم مباشرة بعد أن رأيت من هم أكبر مني في نفس الكلية وحادثتهم؛ أو بعد ذلك بأيام؛ وجدت أن الواقع بعيد كل البعد عن أحلام و لعب.. كومة دروس يجب عليك ابتلاعها ليس لشيء إنما فقط لتعيد وضعها في ورقة الامتحان فمنها دروس وجدت أنها قد لا تنفعني.. فمثلاً لن أشرح لشيخ جاء لأعاينه من أعمق نقطة من جبال الأطلس عن «الكليكوز ومراحل تفككه».. ولن أخبر امرأة على وشك الولادة وبعد أن أسكتت زوجها قسراً؛ فهو لا يريد لطبيب «رجل» أن يلمس زوجته أو يراها؛ عن «système de d’exploitation» أو غيرها من تقنيات الإعلاميات، أن أرى أنه ليس بوسعي أن أقدم علاجاً للمنهكين مرضاً.

 لا نملك الأدوات لعناية مستعجلة

ولا وقاية لنا من الأوبئة التي استوطنت مكاننا. ثم بعد سنة لي في الكلية، تقرر تنظيم مقاطعة شاملة للدراسة والتداريب الاستشفائية في مطلع الدخول الجامعي.. وقتها أدركت أن شكاوى الأطباء الخارجيين، الداخليين والمتخصصين والطلبة أيضاً كانت عبارة عن شرارة قنبلة موقوتة، وقد انفجرت!

وانطلقت المقاطعة الوطنية، شاركت فيها سبع كليات، بين ترقب وتخوف من طلاب السنة الأولى الذين أمضوا شهرين من عامهم الدراسي دون أن يلجوا مدرج الكلية.. هي أربعة وستون يوماً سمعت فيها الشعارات وكتب اسم الأطباء في عناوين الصحف لمرات عديدة، و ظهرت فئتان من المواطنين الذين عارضوا مقاطعة الأطباء واعتبروها عدم رغبة في خدمة المناطق النائية والابتعاد عن أجواء المدن، ومن اعتبر أن المقاطعة كانت الحل الوحيد والأنسب لحفظ ما تبقى من كرامة الأطباء في بلادي. وحدهم الأطباء من كانوا يعلمون التبعات. قرار أخرجهم المقاطعة وهو «الخدمة الإجبارية «، حين رفضوا مسايرة الوزارة في قرار يحل مشكل خصاص الأطباء بأقل التكاليف.. الأطباء ضربوا رفضهم في وجه الوزارة وضحوا بشهرين من الدراسة وهددوا بسنة بيضاء، لأنه ببساطة لا يمكن إرسال طبيب لقمم الجبال مع عقد لسنتين مع مذكرة قلم، كل ما سيكون عليه فعله هو إرسال المرضى إلى العاصمة أو إحدى المدن الكبيرة التي قد تتوفر على المعدات واللوازم الطبية. ثم قررت الوزارة الاستجابة لمطالب الطلبة وتوقيع محضر اتفاق في 3 نوفمبر 2015،

«الخدمة الإجبارية »

ألغي فيه مرسوم «الخدمة الإجبارية » ومجموعة من المطالب التي وعدت الوزارة بتحقيقها والتي تخص منح التداريب، عدد المناصب المفتوحة في مباريات الإقامة والتخصص. لكن و مع مرور سنوات لم يتحقق سوى جزء من مطلب واحد، مما أشعل لهيب سخط الطلبة على وضعهم والذي كان قد أخمده محضر الاتفاق..  بدأت موجة من النشاطات النضالية، من إضرابات، وقفات احتجاجية ونزول للشارع لتقريب المواطنين من واقع الصحة وليعلموا أن الطبيب الذي واجبه علاجهم، لم تغادره علته منذ أكثر من سنة. سنوات لم تثبت فيها الوزارة غير نيتها في التماطل.. لم يتقدم الوضع حتى بنصف خطوة، و ما زاد الطين بلة أنها تسعى جاهدة لخصخصة القطاع، كليات طب خاصة اقتحمت مجال الصحة. وبالرغم من أننا لا نملك عداوة شخصية مع طلبة الكليات الخاصة مهما أشعلت الوزارة فتيلها، لكننا نحزن لوضعياتنا المتفاوتة..  والنظام المختلف، لكن ما أجج اللهيب في دواخلنا هو سعي الوزارة لإدماج طلبة الطب الخاص في مستشفياتنا وامتحاناتنا، فنحن بالكاد نتسع بعددنا الكثير في المستشفيات الجامعية.. وتظل المناصب بعد كل مباراة ضئيلة مقارنة بعددنا الضخم. فماذا لو تنافسنا بجوارهم ولم نأخذ سوى نصف المناصب. ثم النظام الجديد للدراسات، الذي نشبهه نحن الطلبة بالثقب الأسود..  فالوزارة أطلقت سنته الأولى ثم تضيف في كل سنة شيئاً جديداً حسب هواها. فالآن طلبة السنة الرابعة لا يدرون كيف سيكون العام التالي. ماذا ستضيف وماذا ستحذف، كمية الأشياء المبهمة في الدراسة أصبحت لا تطاق..    قد تبدو هذه الوضعية   وبكل هذه الأشياء والخفايا نتأكد أنه لتصبح طبيباً في بلدي يجب أن تتحول وردية الحلم إلى سواد قاتم!