أطفال القرى المسعفين.. ملجأ لأطفال حرموا من حضن الأسرة

 

بصلابة المحاربين وعزم الرجال، يقرعون الطبول كمن يهرع لساح الوغى، هم أطفال يعانون الأمرين، فقد السند والأهل، ومعاناة من الإعاقة، إنهم أطفال “فضاء العيش” التابع لقرية الاطفال المسعفين بالمغرب بدار بوعزة.

اختاروا هذا التعبير الفني ليظهروا للجميع أن الطفل المصنف من ذوات الاحتياجات الخاصة، وبعيدا عن كل وسم، هو طفل يمكنه الإبداع وتحقيق التفوق والتميز، إن كان في الدراسة، أو في مجالات إبداعية مختلفة، متسلحين بالعزيمة والإصرار ، ليرسموا معالم مستقبل جدير بأحلامهم.

 

 

في قاعة الدرس داخل “فضاء العيش”، يتلقى التلاميذ داخل القرية دروسهم بشكل حضوري، يجتهدون ويكدون، موقنين أن الدراسة هي طريقهم الوحيد نحو اكتساب المهارات المعرفية والمهنية التي تضمن لهم الاندماج السريع في الحياة الاجتماعية والمهنية خارج أسوار القرية.

أطفال محرومون من الرعاية الأسرية، ومن ذوي الاحيتاجات الخاصة، يحتضنهم “فضاء العيش” داخل القرية، الذي فتح أبوابه سنة 2002 بدار بوعزة لاستقبال الأطفال والشباب الذين ترعرعوا داخل مختلف قرى الأطفال بالمغرب، ويعانون من وضعية خاصة.

 

وعن الدور الذي يقوم به هذا المركز يوضح مديره العام طارق الصبان، أن هذا الفضاء يوفر الرعاية والتتبع والمواكبة للأطفال والشباب من ذوي الاحتياجات الخاصة القادمين من مختلف القرى التابعة للجمعية، بواسطة فريق متعدد التخصصات، يعمل على زرع الروح الإيجابية لدى هؤلاء الأطفال والشباب.

وقال إن الفضاء يقدم رعاية مشخصنة لكل طفل على حدة حسب احتياجاته الخاصة، واعتبارا للقدرات التي يظهرها الأطفال يتم توجيههم نحو التكوينات المهنية والورشات الفنية التي تناسب مؤهلاتهم.

غير أن هذا المركز الاجتماعي أصبح يعاني من تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد، ليس فقط على طبيعة الحياة داخل المركز بل حتى على الميزانية المخصصة للتدبير.

وفي هذا الصدد، ابرز الصبان أن “هذه السنة هي استثنائية، فالجائحة كان لها أثرها السلبي ليس فقط على طريقة الحياة، لكن ايضا على ميزانية المؤسسة، نحن اليوم بحاجة كبيرة للتمويل من أجل إعادة تجديد وتهيئة المباني وتوفير الأدوية، التي يفوق المعدل المتوسط لكلفتها 12 ألف درهم، فضلا عن حاجتنا إلى تجهيزات مختلفة وتجديد معدات المطبخ“.

وضعية استثنائية، لم تحل دون أن يمارس هؤلاء الأطفال حقهم في الحلم والأمل، فمحمد عتيق، أحد نزلاء المركز يعشق الحيوانات وخاصة الدواجن، استطاع أن يحقق مشروعه الخاص داخل القرية، حيث ساعدته الجمعية على إنشاء مزرعة صغيرة على مقاسه خاصة بالدواجن.

بصوت يصبغه الفرح الطفولي، تحدث هذا الطفل ذي الأربعة عشر ربيعا عن حبه للدواجن، وأمله في أن يوسع هذا المشروع في المستقبل، قائلا إن ” هذا حلمي، أنا الآن أدرس، وفي الوقت نفسه أسهر على إدارة هذا المشروع الصغير، الحلم بالنسبة لي، وآمل أن يتحقق لي في المستقبل، وأنا متأكد إن نجحت في دراستي أنني سأتمكن من توسيع هذا المشروع، فأنا احب الحيوانات كثيرا، وأشعر أنها تبادلني الحب نفسه، وتفهمني حين أتحدث معها، وعندما أكبر سأتخصص في تربية الدواجن“.

فضاء العيش” داخل القرية، مثله مثل باقي الفضاءات التي تضمها هذه القرية المخصصة لتأمين الرعاية الاجتماعية لأطفال حرموا من الحضن الأسري الدافئ.

داخل القرية، منازل تتوزع عبر المساحة التي تمتد عليها القرية، إلى جانب فضاءات مخصصة للتدريس والورشات والترفيه، كل منزل من منازل القرية يشبه المنازل الموجودة خارج الأسوار، والهدف تحسيس الأطفال المتخلى عنهم أو الذين كانوا ضحايا سوء معاملة أو عنف عائلي بدفء الأسرة، وأنهم يعيشون الأجواء ذاتها التي يعيشها أقرانهم بالخارج.

كل منزل تدبره، وعلى غرار البيوت المغربية، أم تتكلف برعاية الأطفال، وتربيتهم، والسهر على دراستهم، والقيام بأعمال المنزل ككل الامهات.

وكل منزل يضم مطبخا مجهزا وبهوا وقاعة للضيوف بأثاث تقليدي، وغرف خاصة بنوم الأطفال، في حرص كبير على محاكاة الحياة داخل الأسرة.

وهو ما أكدته الأم سعيدة، في حديثها للوكالة، تقول “أنا أعمل هنا منذ 10 سنوات كأم مهنية، لكني أشعر أني أم حقيقية لهؤلاء الأطفال، أحرص على تربيتهم، وعلى متابعة دراستهم، وأساعدهم في إنجاز واجباتهم المدرسية، وأسهر على صحتهم وسلامتهم وتلبية طلباتهم كأي أم “.

وأضافت أنه “خلال شهر رمضان، وحين عودة الأطفال من المدرسة في الساعة الرابعة بعد الزوال، أستقبلهم، وبعدها ينجزون واجباتهم، وحين اقتراب موعد الإفطار، نقوم جيمعا لتحضير المائدة في جو يطبعه المرح والتعاون، غايتنا جميعا إسعاد الأطفال، وتوفير الرعاية لهم”، مشيرة إلى أنها في عملها تحظى بمواكبة ومساعدة من قبل مديرة القرية، والمساعدة العائلية، فهناك متابعة دقيقة وعن كثب لعمل الأمهات وفق خطة عمل مدروسة تستجيب لحاجيات الأطفال.

 

وعن برنامج اشتغال القرية، تشير المديرة الوطنية المسؤولة عن برنامج قرى الأطفال المسعفين بالمغرب فاطمة البرهومي إلى أن “الجمعية تقوم برعاية الأطفال المتخلى عنهم والشباب اليافعين ومواكبتهم إلى حين اندماجهم في سوق الشغل، إلى جانب اشتغالها مع الأسر حتى لا تتخلى عن أبنائها”، مستدركة أن ظروف الجائحة فرضت وضعية خاصة سواء على العاملين بالقرية أو الأطفال.

واوضحت أنه “في ظل الجائحة، وجدت الجمعية نفسها في مواجهة مجموعة من المشاكل، في مقدمتها التعليم عن بعد الذي تطلب تجهيز الفضاء بالمعدات التي تلزم لضمان استمرارية الدراسة، علاوة على توفير الدعم للشباب الذين كانت تواكبهم الجمعية بسبب فقدانهم للعمل، وكذا اضطرار العاملين لقضاء وقت أطول داخل القرية بسبب التغييرات التي طرأت على نمط الحياة داخل القرية بفعل الجائحة“.

وشددت على أن كل هذه الإكرهات جعلت الجمعية في حاجة ماسة لمزيد من الدعم والمواكبة، خاصة من قبل شركائها، لتستمر في تقديم خدماتها للاطفال والشباب والأسر بالجودة ذاتها.

فعلاوة على رعاية الأطفال المتخلى عنهم، وضمنهم الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، هناك توجه جديد للعناية بالأسرة وتقويتها من خلال الاهتمام بالأم التي تعد النواة الرئيسية للأسر المغربية.

وفي هذا الإطار، وضعت الجمعية برنامجا مبتكرا يحمل اسم “الأسرة المستقبلة” لمرافقة الأمهات الوحيدات (مطلقات، أرامل، امهات عازبات) ودعمهن لتشجيعهن على الاحتفاظ بأبنائهن وتكليفهن برعاية اطفال آخرين، مستفيدات في ذلك من دعم مالي يساعدها على تجاوز العائق المادي.

ومن خلال هذا البرنامج تعتني الجمعية بالنساء اللواتي يتكفلن بمفردهن بالأبناء، وتعمل على تأهيلهن لتوفير رعاية جيدة للأبناء، خاصة في ما يتعلق بالتمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، ومعالجة المشاكل النفسية والصحية للأطفال المتكفل بهم ناهيك عن مشاكل السكن عند الضرورة، إلى جانب تكوينات متخصصة لتعزيز قابلية التشغيل لديهن، أو إحداث تعاونيات أو الانخراط في أنشطة مدرة للدخل.

فالجمعية موجودة في الميدان منذ أزيد من 35 سنة، ويعمل بها 162 مهنيا في العمل الاجتماعي، عبر ست مؤسسات للحماية الاجتماعية (خمس قرى للأطفال المسعفين وفضاء حياة واحد للأطفال المتخلى عنهم من ذوي الاحيتاجات الخاصة)، وتستقبل 850 طفلا ويافعا متخلى عنهم وفي وضعية هشة جدا تتم مواكبتهم عبر برامج مختلفة من قبل طواقم مختصة في العمل الاجتماعي والدعم النفسي داخل قرى الأطفال.

حينما يجتمع الأمل والألم في عيون طفل لم يكتب له أن ينعم بنطق كلمة “أمي” أو “أبي”، ندرك أهمية العمل الذي تقوم به هذه الجمعية من أجل هؤلاء الأطفال حين توفر لهم أمهات وخالات وإخوة وحضنا دافئا، ضمن أسرة تشبه كل الأسر.