اخبروهم عن الإخوة

عبد العالي بن مبارك بطل

لقد أصبح العالم البشري اليوم مسوقا بأفكار وإيديولوجيات ذات توجه نرجسي محض، حيث حصرت غاية وجوده في الوصول للأهداف الدنيوية ولو على حساب الطرف الآخر، وبذلك أصبح كائنا ذا البعد الواحد، مما غيب عنه معاني الإخوة والمحبة والتسامح والرحمة وحب الخير للطرف الأخر، الخ من المميزات والخصال الحميدة التي تميز الفرد. فليس هناك أجمل من وجود أخ أو أخت في حياة الفرد، لأنهما بمثابة العضد الذي تتجمع فيه العضلات لإثبات قوة وصلابة وتماسك وتلاحم الشخص إضافة لإرشاده والوقوف بجانبه حتى يتمكن من التغلب على أنانيته وايديلوجيته النرجسية المنفردة، كما عضد الله نبيه موسى بأخيه هارون حسب قول تعالى: “قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ”، وكذلك يمكن الشخص الاعتماد والاستفادة منهم في شتى الأمور، كما يمكن أن تشكو لهما همومك وتجدهما أول من يفرح لفرحك ويحزن لحزنك.

فالإخوة والأخوة الصادقة في مجملها هي نعمة من الله منَّ بها على عباده نظراً لأهميّتهم ومكانتهم في حياتنا، فما انتابني في هذا الموضوع هو الحال الذي وصلنا إليه ومن خلال البحث والدراسة والتمعن تمكنت ولله الحمد من تقسيم أنواع وأصناف الأخوة إلى أربعة أنواع، فهناك النوع الخبيث والماكر كأخوة قابيل الذي قتل أخيه هابيل حسدا وحبا في الشهوة الدنيوية، وهناك النوع الثاني وهو النوع الصادق والوفي والسند كأخوة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام ووقوفه بجانبه لتبليغ رسالته الربانية، وهناك النوع الثالث وهو المتسامح والمحب للمغفرة كتسامح سيدنا يوسف ومغفرته لذنب ومكر إخوانه، وهناك النوع الأخير وهو الأخ الذي لم تلده الأم ولا الأب كعلاقة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بصاحبه ورفيق الدرب سيدنا ابو بكر الصديق وكذلك علاقة سيدنا عيسى عليه السلام وأصحابه الحواريين، وقبل الدخول في حيثيات موضوع مقالنا هذا، أحببت أولا مشاركتكم بعض المقولات والحكم ربما قد تكون لبنة وبعدا إضافيا له وهي:

 ليس هنالك حب آخر كحب الأخ لأخيه، فهو حب متبادل يدوم للأبد. “تيري جويليمتس” .
 طوبى للشخص الذي يهتم بأخيه بقدر كبير عندما يكون مريضاً أو عاجزاً كما هو الحال عندما كان على ما يرام، وطوبى لمن يحب أخيه كثيراً عندما يكون بعيدا عنه كما هو الحال عندما كان إلى جانبه، “فرنسيس” .
 عندما تتوافق آراء الإخوة، تكون علاقتهم أقوى من أي شيء في هذا العالم. “أنتسثينس” .
 لأخوة الجيدة هي الروابط التي تقوم على أساسها الحياة، وهي الشيء الذي يربط بين الأمور التي حصلت في الماضي والطريق إلى المستقبل، وأساس التعقل في عالم مليء بالجنون. “لويس وايس” .
 المشاجرات البسيطة التي تحدث بين الإخوة، منها الإيذاء، والسرقة، ويتهم كل منهما الطرف الآخر بشكل عشوائي، ولكن يعلم الإخوة أيضاً بشكل حتمي بأنهم من نفس الأصول ومن نفس العائلة، حتى وإن كرهوا بعضهم البعض، وهذا يضع الأمور في نصابها بالشكل السليم في الأخير “فيرا نازاريان” .
 ساعد أخيك في نيل مطالبه، وستصل أنت كذلك إلى ما تتمناه. “هيندو بروفيرب”.
 وأنا أقول أن بحث الشخص عن الراحة النفسية والوجدانية، لن تتوفر إلا بوجود الأخ الصادق.
فعند التمعن في هذه الأقوال والتطرق لموضوع الإخوة تحتم علينا طرح مجموعة من الأسئلة نذكر منها على سبيل المثال هل عندما نتكلم عن الأخ والأخت هل ندري بالفعل ما قيمة ذلك؟ ما مصير سرعة انفعالنا وخطأ تقييمنا بدفع العلاقة بيننا إلى التدهور والضياع عند أي منعطف؟ هل كلما كبرنا وكبرت مصالحنا نكبر وتكبر الأحلام والمسؤوليات والطموحات،. وفِي كل مرحلة نزداد بُعدًا عن بَعضنا البعض ليزداد شعورنا مع الأيام أننا نفقد شيئًا جميلاً من طفولتنا. ؟ هل لازال حاضرا بقوة في الذاكرة والقلب للإخوة نصيب منها؟ كلها تساؤلات يمكن أن نجد أجوبتها من خلال ما تم ضربه من أمثلة الأولين في كتاب الله المبين وحديث نبيه الشريف من خلال العديد من الملاحم التي جرت بين الإخوة كما سبق ذكره ومنها:

 النوع الأول أسطورة الإخويْن : قابيل وهابيل التي وقعت فيها أول جريمة قَتْل في تاريخ البشرية، وهي معروفة، فقد ذكرها قرآن المسلمين وتوراة اليهود، حيث سولت لقابيل نفسُه قتل أخيه هابيل حسداً وغيرة وبُغضاً على أخيه هابيل وكان دافع الجنس والمرأة الجميلة والوهم بأنه الأكبر والأقوى أيضاً وراء إزاحة المنافس الآخر بجريمة نكراء. فسولت له نفسه قتل أخيه.

 أما النوع الثاني من الإخوة فنجده من خلال قصة سيدنا موسى وأخيه هارون عليهم السلام، الأخ الصالح وشريك كليم الله في الرسالة حيث لا ولن يُعرف أحد أعظم من منة موسى على أخيه هارون فإنه لم يزل يسأل ربه حين أوحى إليه أن يجعل معه أخاه حتى استجاب الله دعاءه وجعل معه أخاه هارون نبياً. وهي تعد أعظم عطية من أخ لأخيه. لقد كان الفراق طويلاً جداً بين موسى وأخيه هارون في مبدأ الأمر، وهذه العلاقة العظيمة المتمثلة في أخوة النسب التي تقطعت بها الأسباب نجد أن موسى – عليه السلام – قد حفظ تلك الوشيجة والعلاقة وهو يقبل على الله سائلاً أن يجعل معه أخاه هارون نبياً. قال الله تعالى:(وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) فكان هذا الأخ الصالح والشقيق الطيِّب اللين، والنبي المؤازِر، والوزير المعاوِن، واليد اليمنى، والساعد الكبير والنصير باللسان، والمعين بالرأي والبدن له الفضل في تلك المشاركة العظيمة بين أخوين في مهمتها جليلة جداً هي النبوة والرسالة الربانية ومواجهة المعاندين حتى النهاية.

 اما النوع الثالث من الإخوة وهي تلك العلاقة المتمثلة في قصة سيدنا يوسف عليه السلام التي تعد أروع الأمثلة في التعامل مع الإخوة الجافة والمعادية ، فهو الذي لقي من أخوته بكثرتهم في مقابله هو وحده ما لقي من العداوة والكيد والظلم، فكانوا سببًا في غربته عن الأهل والوطن وشقائه في طفولته البريئة وشبابه. وبعد مرور السنين وتعاقبها جاءت الفرصة سانحةً بين يديه وهو متمكنٌ في منصبه الكبير على خزائن مصر من أن يأخذ حقه من إخوته الذين أصبحوا في تعبٍ من أمرهم وضنكٍ من العيش، لم يكن النبي يوسف ذلك الانتهازي والانتقامي ليقابل السيئة بالسيئة، رغم كل ما حدث ورغم كل ما أسلف من تعبٍ وعسر. لكن كان مثالاً رائعًا راقيًا خلده القرآن الكريم وضرب فيه أحسن القصص ليكون قدوة ودرسًا لمن بعده. رغم كل ما حدث ما كانت لتفلت كلمةٌ سيئة من يوسف الكريم تنزل من مستوى نفسه الراقية “قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ” (جاهلون.. لم يقل ظالمون – مع أنهم ظلموا – ولا فاسدون ولا مجرمون، بل هي كلمة اختارها بعناية كي يحافظ على حبل الود بينهم في خضم الصراحة المُرة التي تكشف ما طوته السنون وربما طواه نسيانهم ولكن لم تُطوِه ذاكرتها .

 أما النوع الرابع والأخير من الأخوة وهي تلك العلاقة الأخوية الممثلة في الأخ الذي لم تلده الأم ولا الأب كعلاقة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بصديقه ورفيق الدرب والهجرة والصحبة الطيبة مُعتِق العبيد ناصر وحامي النبي صلى الله عليه وسلم ونافعه بكل ماله بكل عطاء وخِدمة ألا وهو سيدنا ابو بكر الصديق حيث يذكر أنه وبمجرد أن أذن الله لنبيه بالهجرة و أثناء الطريق للوصول إلى غار ثور أقام أبو بكر الصديق بالتنقل, فمرة يتقدم النبي ومرة يكون خلفه ومرة على يمين النبي ومرة على يساره, فيستغرب الرسول فعل أبو بكر هذا ويسأله: ما لك ؟فيقول أتذكر الرصد فآتي أمامك ثم أخاف الرصد فآتي خلفك ثم أخاف يأتيك أحد عن يمينك فآتي عن يمينك ثم أخاف أن يصيبك أحد عن شمالك فآتي عن شمالك ثم أعود . فيسأله النبي: أتحبني يا أبا بكر؟ فيقول : نعم يا رسول الله ثم يسأله: أتموت في سبيلي ؟ فيجيب: نعم يا رسول الله، أنا إن مت فإنما أنا رجل، وأنت يا رسول الله إن مت فإنما أنت هذا الدين، فتظهر انظروا إلى محبة أبو بكر للحق ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم. و يتجلى كذلك هذا الحب عند وصول الرسول وأبو بكر إلى غار ثور, فيدخل أبو بكر إلى الغار قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ليتأكد من خلوه من الخطر على حياة الرسول، وبعد أن يغلق جميع الثقوب في الغار بعد تمزيق ملابسه، يدخل الرسول ويسأله صاحبه: ما مزق ثيابك يا أبا بكر؟ويقول: أخاف أن يصيبك شيء يا رسول الله. وينام الرسول في حجر أبو بكر وبينما هو نائم، فيلمح أبو بكر ثقب لم يره سابقا فيغلقه برجله فيلدغه عقرب أثناء نوم الرسول في حجره فيصبر على الألم حتى تنزل دموعه وتسيل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فيستيقظ الرسول بذلك ويسأله صاحبه :ما بالك يا أبا بكر؟ فيرد أبو بكر:لدغت يا رسول الله، فداك أبي وأمي، فنفث فيها النبي ومسح مكان اللدغة فبرأت.

فرحم الله إنسانًا كتم كلمة سيئة – مقصودة أو غير مقصودة – لأخيه أو أخته أو أسلوباً لم يكن في محله وتغاضى عنه ولَم يبدِه له أو لها.. فكم من كلماتٍ ومجادلات ونقاشات ساخنة كانت سببًا في الهجر والجفاء بين الإخوة….!ورحم الله نفساً صفحت أخطاء الآخرين بحقها حُباً للعفو وحفظا للمودة والعلاقات الجميلة، وطيٌ لصفحة الماضي. فهل نعي نحن هذا الدرس ونتغاضى عن هفوات بَعضنا البعض لأجل الود الذي يجمعنا ؟ أم أننا سنفتح باباً للشيطان حتى لأتفه المواقف يستغلها كي يوقع بيننا؟! كما حدث لأبناء ادم هابيل وقابيل علينا أن نستلهم من هذه الحكاية معاني التعامل الراقي والحكيم مع إخواننا في شتى المواقف ومع كل من نتعامل معه، هكذا تُبنى البيوت السعيدة والمجتمعات الناجحة التي تتخلص من كل ما يسبب جراحا لعلاقاتها الاجتماعية وتتفرغ بعدها لمعالي الأمور وتحقيق طموحاتها وإبداعاتها. فحفظنا الله وحفظ علاقاتنا الأخوية ونجاها من شرور قابيل لهابيل.
ا