في زمنٍ تتباهى فيه بالمهور ” الصداق” بين أرقامٍ فلكية وعقاراتٍ مسجّلة وألقابٍ اجتماعية، يظلّ السؤال حاضرًا: ما حقيقة المهر او الصداق في ميزان القيم؟
المهر – أو الصداق – في الشريعة الإسلامية هو حقٌّ مفروض للمرأة، ورمزٌ لإكرامها وصدق الرغبة في الزواج بها. لم يحدد له الإسلام مبلغا معينًا، بل تركه للتراضي «على الموسع قدره وعلى المقتر قدره»، حتى قال النبي ﷺ: «ولو بخاتم من حديد». فالعبرة ليست بالكثرة، بل بالمعنى والصدق والمحبة.
غير أن قصةً فريدة شهدها التاريخ الإسلامي اعادت لنا مفهوم المهر وغلائه، إنها قصة الصحابية الجليلة أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها ام انس بن مالك، المعروفة بالغميصاء.
كانت من أهل يثرب، زوجةً لمالك بن النضر، وأمًّا للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه. ومع بزوغ فجر الإسلام، انفتح قلبها للنور، فآمنت برسالة رسول الله محمد ﷺ، بينما أصرّ زوجها على الشرك، ورفض دعوة زوجته المتكررة له رغم حججها القوية. ولم يحتمل الخلاف، فخرج إلى الشام حيث مات على غير الإسلام، لتجد أم سليم نفسها أرملةً مؤمنة، ثابتة على مبدئها واخلاقها الطيبة.
كانت امرأة جميلةً عاقلةً ذات رأي، فتقدّم لخطبتها العديد من كبار رجال يثرب، وفي مقدمتهم الثري أبو طلحة الأنصاري، أحد وجهاء واغنياء تجار المدينة. دخل عليها واثقًا أن ماله، وجاهه كفيلان بقبول طلبه كما يحدث في وقتنا الحالي. لكنها فاجأته بعبارة ستخلّد في صفحات التاريخ:”مثلك لا يُرد يا أبا طلحة، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذاك مهري فقط، ولا أريد غير الإسلام صداقًا”
عرض عليها المال، وذكّرها بالعيش الرغيد، لكنها رأت ما هو أبقى من زخارف الدنيا. خرج مضطربًا، ولم تبارح صورتها قلبه. وفي اليوم التالي عاد إليها مسرعا… لا بذهبٍ ولا بعقارات ومال، بل بالشهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فكان إسلامه صداقها، وكان ذلك أعظم مهر سُمع به في التاريخ الاسلامي.
لم تكن أم سليم عظيمةً في موقفها هذا فحسب، بل في حياتها كلها. فقد ضربت مثالًا في الصبر حين مات ابنها الصغير في غياب زوجها طلحة. حيث استقبلت زوجها عند عودته بوجهٍ مطمئن، وهيّأت له طعامه، ثم أخبرته بخبر وفاة ابنه بألطف عبارة: “يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريةً فطلبوها، أكان لهم أن يمنعوا؟” فلما أجاب بالنفي قالت: “فإن ابنك كان عاريةً من الله فقبضه إليه”. موقفٌ حقيقة يهزّ القلوب ثباتًا وإيمانًا. وحين علم النبي ﷺ بموث ابنهما، دعا لهما بالبركة، فمرت الأيام ولما ولدت ام سليم مرة ثانية من زوجها طلحة، طلبت أن يحنّكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت به مع ابنها من زوجها الاول أنس بن مالك، فحنكه رسول الله ﷺ وسماه «عبد الله”.
أتدرون من هو عبد الله، إنه أخ أنس بن مالك خادم رسول الله، وأبو عشر خيرة حملة القران والفقه الإسلامي اسحاق و يحي وإسماعيل وعمر ويعقوب وغيرهم.
حقيقة إن قصة أم سليم ليست مجرد حكاية زواج او صداق، بل هي درسٌ عميق في ترتيب الأولويات: حين يكون الدين والخلق الطيب والقناعة قبل كل شيء، والمبدأ قبل المصلحة، والإيمان قبل المال. لقد أثبتت أن قيمة المرأة لا تُقاس بغلاء مهرها، بل بسموّ رسالتها وثباتها على الحق والخير. خصوصا في زمننا هذا الذي تُثقل فيه الشروط والمظاهر الخداعة والأكاذيب، لذلك فقصة أم سليم هي تذكير بأن أعظم صداق هو ما يبني بيتًا واسرة على الخير والسعادة والقناعة والحب والتوافق والصدق والاحترام والغيرة الحميدة. وأن المرأة الواعية يمكنها بحكمتها أن تغيّر الكثير من الأمور داخل الاسرة والعائلة والمجتمع. أليس الجنة تحت اقدامها وأن وراء كل رجل عظيم امرأة.
لهذا التمس وأمل من كل امرأة الأخذ بالعبرة واختيار مع من ستعيش، عندما يطرق باب أهلها، فلتفكر بأن ذاك الشخص قد اختارها زوجة وأمّاً لأبنائه ومعينته ورفيقة دربه في الحياة.
كتاب و رأي
أعظم صداق
13 مارس 2026 - 11:07