تابعونا على:

مجتمع

تطور مراسيم إحياء ليلة القدر وتكريس شرعية السلطة بالمغرب

17 مارس 2026 - 19:30

يكتسي إحياء ليلة القدر طابعا مميزا يمزج بين التعبد الخالص والتقاليد الاجتماعية المتوارثة.

حيث كانت ليالي شهر رمضان المبارك مناسبة دينية بامتياز، حرص من خلالها سلاطين وملوك المغرب، على امتداد الأسر التي حكمت المملكة عبر التاريخ، على الظهور فيها بشكل يلائم قدسية وروحانية هذا الشهر الفضيل، حيث ركزوا على الدروس الدينية، والعبادات المختلفة من قراءة القرآن، وقيام الليل، ومنح الصدقات. إذ لم يكن شهر رمضان عبر تاريخ المغرب مجرد مناسبة دينية عابرة، بل كان أيضا مرآة سياسية تعكس استقرار الدولة أو اضطرابها، وقوة السلطة أو ضعفها.

وقد أتاحت المصادر التاريخية رصد طقوس وأعمال عدد من السلاطين المغاربة، وبرامج أنشطتهم اليومية خلال شهر رمضان، حيث دلت أغلبها على أن هؤلاء السلاطين كانوا يولون لهذا الشهر ولياليه، خاصة ليلة السابع والعشرين أو ليلة القدر مكانة خاصة، تتسم أحيانا بالتمظهر الديني، وأخرى بإثبات شرعية حكم السلطان.

1-مراسيم إحياء ليلة القدر كتكريس للشرعية الدينية

تورد المصادر التاريخية اهتمام المرابطين بإحياء ليلة القدر، خاصة في عهد الأمير المرابطي، تاشفين بن علي، الذي أصر على إحياء ليلة القدر في رمضان، لتأكيد شرعية سلطته بصفته “أميرا للمسلمين” في وقت كانت فيه الأحداث تعصف بحكمه، حيث كان آنذاك يعيش تحت رحمة حصار الجيوش الموحدية في مدينة وهران.

وبالتالي، فقد اقترنت نهاية حكم هذا الأمير المرابطي، بليلة القدر، حيث إنه سقط بفرسه من قمة ربوة عندما كان يحاول النجاة بنفسه من هجوم الموحدين على آخر معاقله.

كما “دأب الخلفاء الموحدين على إحياء ليالي رمضان بإقامة صلوات التراويح، وقراءة القرآن، وتنظيم المجالس العلمية، والتبرك بمصحف الخليفة عثمان خلال المجالس العلمية السلطانية، والقيام بكل ما له صلة بإثبات مشروعيتهم الدينية كخلفاء لا ينازعهم أحد في السلطة”. في حين حافظ السلاطين المرينيون والوطاسيون على مراسيم إحياء هذه الليلة. فالسلطان يعقوب بن عبد الحق، كان يتفانى في العبادة خلال رمضان، إذ “بعد الصلح الذي عقده مع الملك المسيحي سانشو في شمال الأندلس، قفل راجعا إلى الجزيرة الخضراء التي حلّ بها خلال رمضان 1285م، فأقام بها طيلة هذا الشهر مواظبا على صلاة التراويح التي لم يتخلف عنها ليلة واحدة.”

في حين حرص السلاطين الوطاسيون في سعيهم لاكتساب الشرعية الدينية على القيام بالطقوس الدينية التي كانوا يواظبون على القيام بها حينها، بما في ذلك عقد المجالس العلمية الرمضانية. أما الحكم السعدي، فقد اكتسى لديه شهر رمضان أبعادا سياسية وروحية واضحة، حيث تحول إلى فضاء يجتمع فيه السلطان والعلماء والرعية حول شعائر الدين. فقد ارتبط صعود الحكم السعدي بالدعوة إلى الجهاد والدفاع عن الثغور المغربية ضد التوسع الصليبي، وهو ما جعل الدين عنصرا مركزيا في مشروعه السياسي. لذلك كان شهر رمضان مناسبة يبرز خلالها السلطان صفته كـ”أمير للمؤمنين وحام للدين”. وبالتالي، فقد كان عصر أحمد المنصور الذهبي (1549- 1603)، هو أزهى عصور السعديين، وذلك لارتباط اسمه بانتصار المغاربة في معركة وادي المخازن، حيث شهدت البلاد في عهده الاستقرار أكثر من أسلافه، وكانت نقطة البداية في سياسته الداخلية أنه عمل على تقريب الفقهاء والعلماء المغاربة منه، حتى وصف بأنه خليفة العلماء وعالم الخلفاء، فقد كان واسع الثقافة ملما بالعديد من العلوم.

فخلال شهر رمضان، كان السلطان المنصور الذهبي ينظم ليالي رمضانية خاصة مع طقوس مميزة. حيث وصف المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” مراسيم تنظيم السلطان السعدي لهذه الليالي، ويشير إلى أنها كانت تتمحور حول قراءة ودراسة “صحيح البخاري”، الذي يعد أصح كتاب بعد القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة. فقد كان العلماء في هذه الليالي الرمضانية يكملون سرد صحيح البخاري، حيث “كان القاضي الفقيه والفقهاء البارزون يقرؤون يوميا جزءا من نسخة البخاري التي كانت مجزأَة على خَمْسَة وَثَلَاثِينَ سفرا”. في حين أولى السلطان أحمد المنصور الذهبي اهتماما خاص لإحياء ليلة القدر ، حيث أرسى هذا السلطان تقاليد احتفالية فخمة لإحياء ليلة القدر بالمغرب، تميزت بمزج الطقوس الدينية بالصبغة الاحتفالية السلطانية، ومن أبرزها “موكب الشموع” الذي استوحاه من إسطنبول، حيث تُضاء الشموع الضخمة وتُزف في موكب صوفي مهيب، مع حلقات للسماع والمديح الأندلسي.

بالإضافة إلى تنظيم ليالٍ صوفية تتضمن السماع والمديح والأذكار، وهي طقوس لا تزال تميز إحياء ليلة القدر في المغرب. وبالتالي يعد هذا التراث الطقوسي والمراسيمي الذي أسسه السلطان المنصور الذهبي جزءاً من تقاليد عريقة استمرت لتصبح جزءاً من الهوية الثقافية والدينية المغربية في إحياء العشر الأواخر من رمضان.

ومن جهتهم، حرص السلاطين العلويون على عقد مجالس علمية رمضانية لتثبيت شرعيتهم الدينية منذ السلطان مولاي إسماعيل، ثم بعده السلطان مولاي سليمان الذي كان شديد الإلحاح على قيام رمضان وإحياء لياليه بالإشفاع، وكان ينظم مجالس علمية يجمع فيها صفوة من العلماء، ومشايخ القراء، لبسط المتون النبوية وتفسيرها.

كما تميز السلطان مولاي سليمان بالمشاركة بنفسه العلماء في تلك المجالس، بل كان بما عرف عنه من علو كعب، وغزارة علم، حسب شهادة المؤرخ الناصري، يناقشهم أولا بأول، ويدلي بدلوه، ويبزّهم أحيانا بإيجاد الأجوبة للمسائل التي عجزوا عنها. بل تجاوز المولى سليمان، حسبما ذكره المؤرخ ابن داود، القاعدة الإدارية القاضية بتعيين القاضي للأئمة المكلّفين بإقامة صلاة التراويح، فأصدر ظهيرا مؤرخا ب 17 من رجب 1229 هـ،/ 1813 م يعيّن بمقتضاه إماما لصلاة التراويح بالجامع الكبير بتطوان في شهر رمضان من تلك السنة. وعلى نفس المنوال، سار السلطان العلوي الحسن الأول، فشجع تنظيم المجالس العلمية الرمضانية، وبالأخص الاهتمام بمراسيم إحياء ليلة القدر.

2-مراسيم إحياء ليلة القدر كتجسيد للشرعية الدينية

ظلت ليلة القدر عبر السلالات المتعاقبة على حكم المغرب(الأدارسة، المرابطون، الموحدون، المرينيون، السعديون، والعلويون)، مناسبة دينية راسخة لإبراز “إمارة المؤمنين”، وتجسيدها. مما أدى إلى تطوير مراسيم إحياء ليلة القدر من قبل السلاطين المغاربة عبر التاريخ من احتفالات دينية تقليدية داخل مساجد القصور إلى مراسيم بروتوكولية رسمية. إذ تجسد هذه المراسيم استمرارية “إمارة المؤمنين” في المغرب، حيث يمتزج فيها البعد الروحي الصوفي بالشرعية السياسية التقليدية، مع تطويع المراسيم لتتناسب مع السياق الحديث.

فعلى غرار والده الملك الحسن الثاني، عادة ما يترأس الملك محمد السادس حفلاً دينياً كبيراً بالقصر الملكي بمسجد أهل فاس الذي يعتبر من أهم المرافق الدينية التابعة للقصر الملكي بالرباط التي تقام فيها مثل هذه الاحتفالات الدينية. حيث يستمد هذا المسجد أهميته هذه لكونه يشكل فضاء لتكريس الشرعية الدينية والسياسية للملك كأمير المؤمنين. فداخله يؤدي الملك صلوات الجمعة والأعياد الدينية وإحياء ليلة القدر التي غالبا ما تنقل مراسيمها إلى مختلف أنحاء المملكة عبر وسائل الإعلام والاتصال الرسمية وغير الرسمية.

وفي هذا السياق أعلنت وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، أن أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، ترأس مساء يوم الإثنين 26 رمضان الأبرك 1447 ه موافق 16 مارس 2026 م، حفل إحياء ليلة القدر المباركة بالقصر الملكي العامر بالرباط. حيث بث الحفل الديني مباشرة على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة عند أذان صلاة العشاء. وبالتالي حرص التلفزيون المغربي على نقل مراسيم إقامة الملك صلاة العشاء، والترويح لتمكين كافة المواطنين من متابعة الطقوس الروحية للمؤسسة الملكية وذلك وفق ترتيب بروتوكولي خاص.

إذ يتوسط الملك كأمير المؤمنين صفوف المصلين على سجادة تحدد حيز الحرمة الدينية التي يتميز بها كأمير المؤمنين وعلى يمينه ولي العهد وأخيه مولاي رشيد وابنه الأكبر الأمير مولاي أحمد وهما يصليان على سجادة خضراء إلى جانب أمراء من العائلة الملكية بينما صلى إلى يسار الملك رئيس الحكومة ووزير الأوقاف ورئيس مجلس النواب إلى جانب باقي وزراء الحكومة وهم يلتحفون جلاليب مخزنية يغطي قبها رؤوسهم بخلاف الملك والأمراء الذين اعتمروا الطرابيش المخزنية إظهارا لمكانتهم ضمن التراتبية السياسية لنظام الحكم بالمغرب.

في حين صلى بالخلف كبار الضباط العسكريين ببزاتهم العسكرية وباقي كبار الشخصيات الإدارية السامية وبعض ممثلي البعثات الدبلوماسية العربية والإسلامية بالمغرب. حيث يعكس هذ الترتيب البروتوكولي السلطة الدينية التي يمارسها الملك بمختلف تجلياتها وطقوسها ومراسيمها بوصفه الممثل الأسمى للأمة، والساهر على الحفاظ على الوحدة الدينية للأمة وـصون شعائرها. بما فيها ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان التي تحظى بمكانة خاصة في الوجدان الجماعي للمغاربة ، بما تحمله من نفحات روحانية وقيم إيمانية عميقة.

وهكذا ترأس الملك محمد السادس، بصفته “أمير المؤمنين”، حفل ختم صحيح البخاري، وتلاوة الأمداح النبوية، تشمل قصائد في المدح النبوي (البردة) والأذكار، مما يضفي طابعاً روحياً صوفياً على هذه المناسبة.

وفي ظل هذه الأجواء الدينية والروحانية عادة ما يوشح أمير المؤمنين عدداً من القراء والعلماء بجوائز تقديرية، منها “جائزة محمد السادس لأهل القرآن” و”جائزة محمد السادس لأهل الحديث”، بالإضافة إلى جوائز الكتاتيب القرآنية.

وبهذا الصدد، تميز حفل ليلة القدر الذي ترأسه الملك مساء يوم الإثنين 26 رمضان 1447 بترتيل الطفل زيد البقالي (10 سنوات من مدينة سلا)، آيات بينات من الذكر الحكيم، قبل أن يتسلم من يدي الملك جائزة الطفل الحافظ. بعد ذلك، سلم أمير المؤمنين جائزة محمد السادس لـ “أهل القرآن” وجائزة محمد السادس لـ “أهل الحديث”، للفائزين بهما على التوالي، أحمد طلحى من مدينة فاس، وعدنان زهار من مدينة الجديدة. كما سلم الملك جائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية بفروعها الثلاثة لعبد اللطيف جلال من مدينة اليوسفية (جائزة منهجية التلقين)، ومرزوق آيت عمران من مدينة شفشاون (جائزة المردودية)، وعبد اللطيف ابوها من مدينة شيشاوة (جائزة التسيير). إثر ذلك، سلم الملك جائزة محمد السادس للأذان والتهليل بفرعيها، على التوالي، لعبد الرحمان بنباقة من مدينة مراكش (الجائزة التقديرية)، ومحمد بطوط من مدينة المحمدية (الجائزة التكريمية).

و”بمناسبة هذا الحفل الديني المهيب، رفعت أكف الضراعة إلى المولى عز وجل بأن يحفظ أمير المؤمنين، حامي حمى الملة والدين الملك محمد السادس وينصره نصرا مبينا، يعز به الإسلام والمسلمين، وبأن يتوج بالنجاح أعماله ويحقق مطامحه وآماله، ويبارك خطوات جلالته السديدة، وبأن يقر عينه بولي عهده الأمير مولاي الحسن، ويشد أزره بشقيقه الأمير مولاي رشيد وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.كما توجه الحاضرون بالدعاء إلى العلي جلت قدرته بأن يمطر شآبيب رحمته ورضوانه على فقيدي العروبة والإسلام المغفور لهما الملكين محمد الخامس والحسن الثاني ويكرم مثواهما ويطيب ثراهما.”

ومن خلال كل هذا، يظهر أن كل مراسيم حفل إحياء ليلة القدر الذي يقام ليلة السابع والعشرين من كل رمضان تجسد بشكل كبير آلية من آليات تكريس وتجسيد الشرعية الدينية لإمارة المؤمنين كمؤسسة محورية ضمن نظام الحكم بالمغرب، حيث يتردد صداها في مختلف مساجد المملكة التي تحرص وزارة الأوقاف بمختلف مندوبياتها الجهوية والإقليمية على إحياء ليلة القدر بمختلف مظاهرها الدينية والروحية.

 

بقلم: د. محمد شقير

 

 

تابعوا آخر الأخبار من انباء تيفي على Google News

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سياسة

في ظل تقلبات السوق الدولية.. اوزين يسائل الحكومة حول المخزون الطاقي

للمزيد من التفاصيل...

تأخر النظام الأساسي لموظفي الداخلية يسائل لفتيت

للمزيد من التفاصيل...

أخبار العالم

ترامب: أمريكا ستتدخل إذا أطلقت إيران النار على المحتجين

للمزيد من التفاصيل...

القسام تؤكد مقـ ـتل “أبو عبيدة”

للمزيد من التفاصيل...

مال و أعمال

بنك المغرب.. تداعيات الأوضاع الدولية ستؤثر على الاقتصاد المغربي

للمزيد من التفاصيل...

توقيع اتفاقية تنفيذ البرنامج العالمي للمناطق الصناعية الإيكولوجية بالمغرب

للمزيد من التفاصيل...

أخر المستجدات

مسؤولة بالاتحاد الأوروبي: لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في مضيق هرمز

للمزيد من التفاصيل...

تفكيك شبكة لقرصنة البطاقات البنكية بالبيضاء

للمزيد من التفاصيل...

وهبي يشرف على تدشين المقر الجديد للمحكمة الابتدائية بمدينة الحاجب

للمزيد من التفاصيل...

زلزال الحوز.. الانتهاء من اٍعادة بناء 54 الف منزل

للمزيد من التفاصيل...

بنك المغرب.. تداعيات الأوضاع الدولية ستؤثر على الاقتصاد المغربي

للمزيد من التفاصيل...

الإمارات تستأنف الملاحة الجوية بعد رفع الإجراءات الاحترازية المؤقتة

للمزيد من التفاصيل...

بمناسبة العيد.. صندوق الإيداع والتدبير يعلن تقديم موعد صرف المعاشات

للمزيد من التفاصيل...

عاجل: الحكومة تقرر صرف دعم استثنائي لمهنيي قطاع النقل

للمزيد من التفاصيل...