فرض موضوع مجانية التعليم العالي ورسوم متابعة الدراسة بالنسبة إلى الموظفين والأجراء نفسه بقوة خلال اللقاء الانتخابي الذي احتضنته صخور الرحامنة، بعدما واجه أحد المتدخلين عز الدين المداوي، وكيل لائحة حزب الأصالة والمعاصرة ووزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، بسؤال مباشر حول كلفة التسجيل في سلك الدكتوراه.
المتدخل، الذي قدم نفسه باعتباره حاصلا على شهادة الماستر في العلوم الرياضية ويعمل في التعليم الأولي بأجر شهري محدود، اعتبر أن فرض مبالغ مالية على الراغبين في استكمال دراستهم يمكن أن يحول القدرة المادية إلى معيار للولوج إلى الجامعة، بدلا من الكفاءة والاستحقاق العلمي.
وتحولت المداخلة إلى نقاش متوتر في بعض لحظاته، قبل أن يقدم المداوي توضيحات بشأن الفئات المعنية بالمساهمة المالية، مؤكدا أن الطلبة غير الموظفين لا يؤدون رسوما عن الدراسة في الجامعة العمومية، بما في ذلك سلك الدكتوراه.
وأوضح أن التوجه الذي دافع عنه يتعلق بالموظفين والأجراء المتوفرين على دخل قار والراغبين في متابعة دراستهم بالتوازي مع عملهم، وليس الطلبة المتفرغين أو الأشخاص ذوي الدخل المحدود.
وبحسب المداوي، فإن استمرار الموظفين في الدراسة خلال أوقات العمل يطرح إشكالا مزدوجا؛ فمن جهة، قد يؤدي إلى الإخلال بالواجبات المهنية التي يتقاضون عنها أجرا، ومن جهة ثانية، يمكن أن يحد من فرص ولوج الطلبة غير العاملين إلى التكوينات الجامعية، خاصة الماستر والدكتوراه التي تتوفر على مقاعد محدودة.
ودافع المداوي عن تنظيم تكوينات خاصة بالموظفين والأجراء خلال الفترة المسائية أو في عطلة نهاية الأسبوع، على أن تخصص مساهمتهم المالية لتغطية تكاليف التأطير الإداري والبيداغوجي خارج الأوقات العادية.
وأكد أن الطلبة الحاصلين على شهادات جامعية وغير المتوفرين على عمل ينبغي أن يحظوا بالأولوية في التسجيل، لكون الجامعة العمومية تمثل بالنسبة إليهم المسار الأساسي لاستكمال التكوين وتحسين فرص الاندماج المهني.
وكشف النقاش في صخور الرحامنة عن وجود التباس بين مفهوم مجانية الجامعة العمومية وبين إحداث مسارات مؤدى عنها لفائدة فئات محددة. كما أظهر حاجة الوزارة والجامعات إلى تقديم توضيحات دقيقة بشأن الفئات المعنية وشروط الإعفاء والمعايير المعتمدة، تفاديا لتحول الموضوع إلى مصدر قلق بالنسبة إلى الطلبة والأسر.
وبعد عودة الهدوء إلى القاعة، قال المداوي إنه يتقبل الأسئلة والانتقادات، مقدما اعتذاره للمتدخل عن الحدة التي طبعت جوابه الأول. وأكد أن الاختلاف لا ينبغي أن يمنع النقاش، خاصة أن اللقاءات الانتخابية يفترض أن تكون مناسبة لمساءلة المسؤولين والمرشحين عن قراراتهم ومواقفهم.
غير أن المداوي دعا في المقابل إلى وضع موضوع التعليم العالي ضمن السياق الاجتماعي العام الذي تعيشه المناطق القروية، مشيرا إلى أن عددا من السكان لا يزالون يطالبون بخدمات أساسية مثل الماء والطريق والكهرباء والمراكز الصحية والنقل المدرسي.
هذا الربط أثار سؤال ترتيب الأولويات من دون وضع الحق في استكمال الدراسة في مواجهة الحق في الخدمات الأساسية. فالشاب الحاصل على الماستر والعامل بأجر محدود يعكس بدوره واحدة من مشكلات العالم القروي، تتمثل في عدم التناسب بين المؤهلات العلمية وفرص الشغل المتاحة.
كما أن النقاش بشأن الموظفين لا يمكن أن يتجاهل وجود فوارق كبيرة داخل هذه الفئة، بين أطر تتوفر على أجور مرتفعة وأجراء يعملون بعقود هشة أو بأجور محدودة، وهو ما يستدعي اعتماد معايير اجتماعية واضحة لا تكتفي بصفة «موظف» أو «أجير».
وفي مقابل الجدل الذي أثاره الموضوع، أعاد اللقاء النقاش إلى صلب السياسة الجامعية: كيف يمكن ضمان مجانية التعليم للطلبة غير العاملين، وتوسيع فرص التكوين المستمر للموظفين، والحفاظ في الوقت ذاته على جودة التأطير وعدم الإضرار بسير المرافق العمومية؟
وإذا كانت توضيحات المداوي قد ميزت بين الطلبة المتفرغين والموظفين الميسورين، فإن تنزيل هذا التمييز سيظل رهينا بنصوص واضحة وآليات دقيقة تراعي الدخل والوضعية الاجتماعية وطبيعة العمل، وتضمن ألا تتحول المساهمة المالية إلى حاجز أمام الكفاءات الراغبة في تطوير مسارها الأكاديمي.
للمزيد من التفاصيل...