تابعونا على:

كتاب و رأي

خالد الصمدي

هجومات خشنة وناعمة

15 سبتمبر 2022 - 11:55

اطلعت الثلاثاء 13 شتنبر 2022، على مقال يقترح فيه صاحبه حذف مادة التربية الإسلامية ودمجها في باقي المواد الدراسية، باعتبارها مادة تضم قيما تاريخية وحضارية تدمج في مادة التاريخ، وقيما وطنية تدمج في التربية على المواطنة، وهكذا في علاقتها بسائر المواد، وأن تحذف من أنظمة التقييم والامتحانات.

 

وبعض النظر عن السياق الذي بدأ في الترويج لهذا الاقتراح الذي اطلعت عليه والذي يتسم بطرح سؤال المادة في النقاش العمومي، والذي لا يمكن فصله عن خلفية وأجندته القديمة الجديدة قصد صاحب الاقتراح أو لم يقصد، فيمكن مناقشته من حيث المضمون والسياق معا:

 

1- فمن حيث المضمون

 

فإن فلسفة بناء المناهج التعليمية تتدرج تراتبيا في ثلاث مستويات:

 

المستوى الأول، تحديد أهداف وخصائص المنظومة التربوية ويتم التنصيص عليها في مرجعياتها القانونية المؤطرة وفيها يتم تحديد القيم الفضلى ومرجعيتها الدينية والوطنية.

 

المستوى الثاني؛ وثيقة البرنامج والمناهج التي تحدد القيم والكفايات العرضانية ومواصفات المتعلمين بالإضافة إلى الهندسة البيداغوجية للمواد الدراسية وأوجه التكامل فيما بينها.

 

المستوى الثالث؛ تحديد المواد الدراسية التي يحتاج اليها المتعلمون لبناء وترسيخ تلكم القيم والكفايات حسب خصوصية كل مادة وتحديد دورها وموقعها وغلافها الزمني حسب أهميتها، وهنا تحضر مادة التربية الإسلامية بمضمونها العقدي والتعبدي، ومعرفة الأحكام الشرعية ذات الصلة بالسلوكات والمعاملات في مختلف مجالات الحياة الأسرية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والبيئة والصحية الوقائية والتواصلية وما إلى ذلك، مما يرشد السلوك اليومي للمتعلمين مع تطعيم كل ذلك من القرآن الكريم، ومن أحاديث وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، والنماذج الفضلى التي عرفتها الحضارة الإسلامية عبر تاريخها ومؤسساتها وممارساتها، ولذلك لا يمكن أن تقوم مادة دراسية مكانها بهذه المهام العلمية والتربوية الكبرى، مما يتطلب تعزيز مكانتها في المناهج الدراسية وتكاملها مع باقي المواد الدراسية في منظومة متكاملة موحدة المرجعية ومتنوعة الأساليب.

 

2- أما من حيث السياق؛

فقد عرفنا هذا الاقتراح أول ما عرفناه خلال اشتغالنا في مشروع تجديد المناهج التعليمية بالمدرسة المغربية قبل 20 سنة، أيام حكومة عبد الرحمن اليوسفي ووزيره المقتدر عبد الله ساعف، وانتجنا ساعتها ما يمكن اعتباره أهم وثيقة في تاريخ المغرب في مجال بناء المناهج التعليمية (الكتاب الابيض للبرامج والمناهج)، وهي تجربة شجاعة لم تتكرر، كان هذا الاقتراح بالحذف والدمج حاضرا يروج له بعض من كان يريد حذف المادة بشكل ناعم وبدون خشونة ودمجها في باقي المواد، وتم مناقشته من طرف المختصين في حينه علميا وبيداغوجيا، مستعرضين الحجج القوية التي تثبت مكانة هذه المادة في صيانة الثوابت الدينية للأمة المغربية، والرفع من منسوب التوعية بالقيم الإسلامية، والرفع من منسوب المعرفة الشرعية للمتعلمين، وتحصينهم من كل صور الغلو والاستلاب، وقدموا تصورا جديدا لمنهاج المادة يرتبط أكثر بسلوكات المتعلمين وقضاياهم واهتماماتهم، مع تطعيم دروسها بالاشتغال التطبيقية لتنمية كفايات المتعلمين العلمية والتواصلية والمنهجية، فتم اعتماد هذا المنهاج التعليمي للمادة من سنة 2000 إلى سنة 2016، حيث سيعرف تجديدا وتطويرا بإدخال تعديلات جوهرية على مستوى مداخل الوحدات الدراسية، وإعادة هيكلة محتوياتها وتجديد مضامينها سنة 2016، وذلك استجابة للتوجيهات الملكية السامية في المجلس الوزاري بالعيون، وكان جلالته قبل ذلك قد دعا سنة 2004 إلى تعزيز مكانة مادة التربية الإسلامية في المناهج التعليمية، حتى تؤدي دورها في تكامل مع المهام الجديدة للمجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية، واتخذت الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية مشكورة من هذا التاريخ يوما وطنيا لمادة التربية الإسلامية يحتفل به كل سنة. ثم جاء النموذج التنموي ليؤكد على أهمية هذه المادة في منظومتنا التربوية (وذكرها بالاسم).

 

كل ذلك جعل تجربة المناهج التعليمية في مادة التربية الإسلامية بالمغرب مضمونا وسياقا تجربة جديدة ومتفردة، بالنظر لما هو معمول به في العالم الإسلامي، استفادت منها دول عديدة فطورت مناهجها التعليمية بناء عليها.

 

واليوم تعيش المادة هجومات خشنة وناعمة وتحديات مفاهيمية وقيمية وتكنولوجية وتواصلية، تتطلب من المشتغلين بها يقظة دائمة واشتغالا جادا لتطوير خطابها ووسائل تدريسها وتعزيز مكانتها على مستوى الحصص وأنظمة التقييم، وتعزيز كل ذلك بتكوين متين ومعاصر لأطرها حتى يعطوا القدوة في علمهم وعملهم ومحيطهم، وحتى تصمد المادة في وجه هذه التحديات وتستمر في أداء مهامها العلمية والبيداغوجية على أكمل وجه، وتكون في مستوى رهانات منظومتنا التربوية وطموحات وطننا في ترسيخ ثوابته والاعتزاز برموزه وتعزيز انفتاحه على العصر.

 

 

 

 

تابعوا آخر الأخبار من انباء تيفي على Google News

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سياسة

عكاشا يهاجم المعارضة: واجهنا الجفاف والحروب وسنواجه “أكاذيبكم” بكل استماتة

للمزيد من التفاصيل...

عوكاشا: حكومة أخنوش لم تلجأ للتقشف في الظروف الصعبة

للمزيد من التفاصيل...

أخبار العالم

ترامب: أمريكا ستتدخل إذا أطلقت إيران النار على المحتجين

للمزيد من التفاصيل...

القسام تؤكد مقـ ـتل “أبو عبيدة”

للمزيد من التفاصيل...

مال و أعمال

سهام بنك يطلق MyFX لتدبير عمليات الصرف الأجنبي في زمن وجيز

للمزيد من التفاصيل...

بوعزة: تحسن ملحوظ في الولوج للخدمات المالية بالعالم القروي

للمزيد من التفاصيل...

أخر المستجدات

شوكي: الحكومة نجحت في وضع دعائم صلبة لتحفيز الاقتصاد الوطني

للمزيد من التفاصيل...

عكاشا يهاجم المعارضة: واجهنا الجفاف والحروب وسنواجه “أكاذيبكم” بكل استماتة

للمزيد من التفاصيل...

بولفايد يدير قمة الجيش الملكي والرجاء

للمزيد من التفاصيل...

حمزة الفارق يقود مباراة سيمبا ويونغ أفريكانز بالدوري التنزاني

للمزيد من التفاصيل...

فتاح العلوي: الحكومة واجهت غلاء الاسعار بدعم يفوق 110 مليار

للمزيد من التفاصيل...

شيبا: سعيد بهدف سرغات لكن هزيمتنا أمام الرجاء كانت قاسية

للمزيد من التفاصيل...

ترامب يترأس اجتماع أزمة بشأن إيران

للمزيد من التفاصيل...

فتاح العلوي: ارتفاع المحروقات مرتبط بالسياق الدولي والحكومة تتدخل لتخفيف الأثر

للمزيد من التفاصيل...