من بين القصص التي ألهمتني وأحببت مشاركتكم إياها قصةُ تحريك الوتد. لما تحمله من دلالاتٍ عميقةٍ وحِكَمٍ بليغة، لأن في هذه القصة نرى وجهين مختلفين، يختلفان باختلاف زاوية النظر والموقع الذهني والفكري لكلٍّ منا، فهناك الوجه الذي يناقش ويتضرع بالأسباب أي الفعل من زاوية أسبابه البسيطة، وهناك من ينظر إليه من زاوية نتائجه الخطيرة ومآلاته البعيدة أي الوجه المتضرع بالنتائج وحتى المبادئ.
وهذه القصة مفادها أنَّ إبليس -لعنه الله-، أرادَ الرحيل من مكانٍ كان يسكنُه مع أبنائه، فرأى خيمة تقطن فيها عائلة صغيرة، فقال لأبنائه لن أُغادر حتى أترك فيهم أثرا من التخريب، فاقترب من الخيمة، فرأى بقرةً مربوطةً بوتد، وامرأةً تجلس تحلبها، وطفلها بجانبها. فما كان منه إلا أن حرّك الوتد حركةٌ صغيرة… لا تكاد تُرى. لكن البقرة فزعت واضطربت، فانقلب الحليب على الأرض، ودهست الطفلَ الصغير فمات. غضبت الأم، فدفعت البقرة وطعنتها بسكين طعنًا مميتًا. عاد الزوج، فرأى الطفل والبقرة صريعين، فاشتد غضبه وضرب زوجته وطلّقها. جاء أهلها، فضربوه. ثم جاء أهله، فاقتتل الفريقان. فتعجَّب أبناء إبليس من فعلة أبيهم فسألواه ويحك ما الذي فعلته؟ فأجابهم وبكل بساطة لا شيء لا شيء! فقط حركت الوتد قليلا.
حركت الوتد، هي عبارة أو كلمة قد لا تعني الشيء الكثير للبعض منا، لكن في الحقيقة نجد نتائجها كبيرة وخطيرة جدا علينا وعلى متلقيها.
وهكذا فقد يعتقد البعض منا، أنهم لم يفعلوا شيئاً سوى تحريك الشيء عن مكانه أو اخراج كلمات بسيطة وعابرة، كنقل خبر بلا تثبّت، او إطلاق تعليق ساخر، أو وشاية كاذبة بيضاء حسب معتقدهم، مستهانين بأضرارها ونتائجها التخريبية التي قد تصل الى نزاعات كبرى وقطيعة للأرحام وخلق أجواءَ مضطربة تخطف الفرحة وتكسرُ القلوبَ، ظنا أنهم لم يفعلوا شيئاً!!! فقط حركوا الوتد.
فكم من كلمةٍ أشعلت نار الخصومة! وكم من تصرّفٍ بسيطٍ قطع رحمًا! وكم من همسةٍ فرّقت بين قلوبٍ كانت عامرة بالمحبة! وكم وكم وكم….
إن الفعل الخبيث ينطلق كالرصاصة، ما إن يخرج حتى يصعب إرجاعه. لذلك وجب علينا أن نتروّى قبل أن نتكلم، وأن نفكّر قبل أن نفعل، وأن نحذر من تحريك الأوتاد التي قد تسقط الأرواح. كإسقاط خيمة الاسرة أعلاه، فالشيء إذا خرج استحال أن يعود كما كان! وحتى وأن قام الشخص منا بتغليفه بغلاف معسل، فإنه سيبقي دائما جرح لا يندمل داخل قلب وحياة الشخص منا، وهذا ما يتجلى من خلال واقعة تحريك الوتد وفعل إبليس اللعين على الرغم من بساطته حسب البعض خصوصا المتضرع بالأسباب.
لهذا فالفعل والكلمةُ الطيبة هما جواز سفر الشخص إلى القلوب، حيث تهفوا إلى سماعها الآذان، وتُسر بها الأنفس، وتنشرح لها القلوب، وتؤتي أُكلها كل حين، كما انشرحت قلوب الناس التي كانت مجتمعة على النار، ومر عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث ناداهم: يا أهل الضوء، خشية وحرصا منه أن تجرحهم كلمة يا أهل النار. لذا فإنهما كلمتان مهمتان لتوثيق أواصر المحبة والروابط الإنسانية والاخاء بين الافراد والمجتمعات والدول….
ولهذا فالكلمة قد تصنع الفرق، كلمةٌ تُصلح، وأخرى تُفسد. حركةٌ تهدم، وأخرى تبني. فاحذروا الأوتاد الصغيرة…فليست كل كارثةٍ تبدأ بصوتٍ عالٍ. بعضها يبدأ بهمسٍ خافت… وتحريكٍ بسيطٍ لوَتد.
فكم من كلمة وفعل طيب قرب البعيد، ويسر الصعب، وذلل العسير، وفتح لنا أبواباً لم نكن نتوقع أن تفتح من قبل. حيث بلغ بها بعضنا غايات لم يمكن ان يبلغها إلا بمشق الأنفس.. بعكس الكلمة والفعل السيئ اللذان يشعلان النيران بالصدور، ويفرقان الإخوان والأصحاب والمجتمعات والشعوب. ولو بضع ثواني، كما فرق إبليس العائلة المسكينة بسبب جرمه البسيط وخبته العظيم، بإزالة وتحريك الوتد.
فنجانا الله وأياكم من فعل وجرم وفتن ابليس وما اكثرهم في يومنا وعالمنا هذا على الرغم من صغرها لأن نتائجها كبيرة والعياد بالله.
كتاب و رأي
لا تكن ممَّن يُحرِّك الوتد
24 فبراير 2026 - 21:50