في زمنٍ أصبحت فيه صداقتنا مع الهواتف الذكية أقوى من صداقاتنا مع البشر، وصارت المشاعر تُقاس بعدد “الإعجابات” والتعليقات، فبات العثور على صديق حقيقي أشبه بالبحث عن نقطة ضوء وسط كومة من التعليقات والستوريّات المزيّفة التي نراها كل يوم من هذا وذاك. فقديماً، كان الناس يقولون: “الصديق وقت الشدة والضيق”، أما اليوم هذه العبارة نجدها قد تحولت وبشكل غير خفي عند البعض إلى: “الصديق وقت المصلحة” حيث إذا انتهت حاجته منك، اختفى فجأة، وكأنها رسالة تم حذفها من تطبيق هاتفي قبل أن تُقرأ! فحقيقة تذكر أن الصداقة الحقيقية في زمننا هذا زمن المجاملات الرقمية أصبحت عملة نادرة. لأنها لم تعد كتلك الصورة الجماعية التي كنا نلتقطها في المناسبات ويتم الاحتفاظ بها والعودة لرؤيتها عند الشوق والحنين حتى يتسنى لنا إحياء ذكرياتها الجميلة، ولا تلك العبارة الجميلة التي كنا نرددها ونسمعها “أخي الذي لم تلده أمي”، وهذا بسبب اكتشافنا أن هذا الشخص الذي نعتبره “الأخ الصديق” قد باع أسرارنا ومبادئه وصداقتنا في أول جلسة عابرة أو عند أول خلاف. فالكثير من الاشخاص اليوم نجدهم يرتدون ثياب الأصدقاء، بينما جيوبهم ممتلئة بالمصالح، ووجوههم مطلية بالمكياج والمجاملات الزائفة. حيث إذا ما تعثرت يوماً أو ضاقت بك الحياة، رأيتهم أول الهاربين، وكأنهم كانوا في رحلة ونزهة سياحية معك فقط، لا علاقة لها بالوفاء أو الصداقة الحميمية. مقارنة بذلك الصديق الحقيقي، الذي يبقى إلى جانبك ويطبطب على كتفك في لحظات الانكسار ويصارحك بالحقيقة حتى وإن كانت صعبة عندما يرحل عنك الجميع، لتمكينك من العودة والنهوض مرة أخرى. لا ذاك الشخص الذي يصفق لك وهو يعلم أنك تغرق بصمت. وهذا ما يجعلنا نسأل بكل صمت وحزن ” كيف نأنس بالصديق فاين الصديق والشبيه بالصديق حيث أصبح الأعداء في ثياب الأصدقاء” حقيقة اننا نجد في هذا الزمن أن بعض الصداقات اصبحت تشبه الوجبات السريعة الكثيرة التنوع في الألوان والاشكال لكن بلا مداق حقيقي ودائم، على عكس الصداقة الأصيلة التي يمكن تشبيهها بتلك الاطباق البسيطة والاصيلة والتي دائما ما نستشعر مداقها على مر السنين لأنها تُشبع القلب وتحلي الكلام. وبما أن الأوفياء أصبحوا قلّة، صار الشخص منا يحتاج أحياناً إلى عدسة مكبرة ليفرّق بين الصديق الحقيقي والمندوب المؤقت للمصالح! فهناك من يزورك لأنه يشتاق إليك، وهناك من يزورك فقط ليتأكد أن مصلحته ما زالت بخير. ومع ذلك، ولله الحمد، فما زالت الدنيا بخير، لأن فيها اشخاص ونماذج مشرّفة من الأصدقاء الأوفياء على الرغم من مكانتهم ومناصبهم العليا واشغالهم الدائمة، اشخاص حقيقة تثلج القلوب وتزرع بصيص الامل المفقود، اشخاص ذو تربية أصيلة ومتأصلة ومعدن طيب، فعلا تجدهم صادقين في محبتهم ووفائهم من خلال كلماتهم وتصرفاتهم، ولي الشرف بأن اكرمني الله بصداقتهم ومعرفتهم ومعاشرتهم عن قرب، حيث استفدت من أخلاقهم، واكتسبت من معدنهم الطيب الكثير والكثير، اشخاص يساعدون دون مقابل وتأخر وتجد كلامهم مطلي بالعسل الحر وهذه خصالهم، فلا يسعني الا ان أقول لهم من خلال هذا المقال جزاكم الله عنا الف خير ورحم الله من رباكم واحسن تربيتكم. فأنتم النعمة الحقيقية التي نحتاج اليها وبصيص الامل المفقود وسط زيف هذا الزمن، ونسأل الله لكم دوام التوفيق والسداد والتمكين، وأن يحفظ بيننا وبينكم المحبة الصادقة والمودة الخالصة. لهذا فالصداقة الحقيقية هي أمانة قبل أن تكون مصلحة، ووفاء قبل أن تكون مناسبة، وصدق قبل أن تكون كلمات منمقة. فالصديق الصادق لا يبيعك عند أول خلاف، ولا يختفي عند أول اختبار، بل يبقى ثابتاً كالشجرة التي تمنحك الظل حتى في اشد الفصول. وفي النهاية، علينا الا نحزن إن قلّ الأصدقاء الحقيقيون من حولنا… فالذهب عملة نادر، وسط تراب يغمر كل مكان! واذا المرء لا يرعانا الا تكلفا فلندعه ولا نكثر عليه التأسف.
للمزيد من التفاصيل...