يبدو ان عام الموت هذا سيرهقني.
منذ خرجت من المغرب كنت أفكر اني سأعود يوما ما، واني لما اعود سأجد الرفاق والمجالس والجلسات والمقاهي. سأطلب المسامحة عن فترة غيابي، وتعود الأمور الى حالها.
هكذا وببساطة.
لكن، مات مغنينا العزيز السقاط: الذي كنا نجتمع عنده اخر الليل في بار “السينترا”، خلف ‘المارشي سونترال’ ليغني، ونغني معه، بفرح: “بلاش تبوسني في عينيا ديه البوسة في العين تفرق…” أو “… ما أقصر العمر حتى نضيعه في النضال” رافعين شارات النصر! وبقية أغاني محمد عبد الوهاب. يعزف السقاط على العود ويغني بتركيز عالي، كأننا نسجل تلك اللحظات للعمر او للأبدية. يغني ونغني معه… الى الفجر.
ثم مات الصاحب الكاتب حكيم عنكر، الذي كنت لما امر من جانب مجالسه في مقاهي زنقة جيرا بالمعاريف. اترقب ضحكته المجلجة، تسمعها من اخر الشارع، واحيانا من أبعد، فتعرف ان عينك ستقر بحضوره وانك دخلت ل”الدرب”.
ثم مات اليوم عبد الله زعزاع، الرجل الذي تذهب لحي الفدا، فتجده يناقش، كأنه نبي جاءنا من زمن آخر، فكرة العدالة الاجتماعية والحرية الجنسية والمساواة في الورث بين الذكور والاناث …. في ساحة السراغنة!
——————————————–
لستٌ من المؤمنين بأن العالم يزيد سوءا. اعرف ان بلادنا -ومدينتي منه- ولادة، وان لكل جيل رجاله ونساؤه وابطاله وأعمدته. لكني افقد رجال ركائز في حياتي بها… وطال علي الامد، وتحول البعد عن الديار الذي افترضت انه “مؤقت” الى “مؤقت دائم”..
—————————————-
“إن اعادوا لك المقاهي القديمة
من يعيدُ لكَ الرفاق .. ؟
مات الذين تحبُّهُم
واللوزُ يُزهر كلَّ عامٍ بانتظامْ”.
محمود درويش.
———————————————
غير اولئك الذين ماتوا مؤخرا وكانوا مراجعي في المدينة، يبدو ان السلطة تتحالف مع الافات وكورونا على أعمدتي من الدار البيضاء… اذ كنت كلما ارجع للمغرب منذ سبع سنوات، التي توازي عدد سنوات مغادرتي المغرب، ابيت عند احد من اثنين. صديقاي عمر الراضي وسليمان الريسوني. وكلاهما في السجن ظلما وعدوانا، في وضع صحي خطير.
——————————————
“ما هموني غير الرجال، ايلا ضاعو.
راه الحيوط ايلا رابو، كلا يبني دار”.
ناس الغيوان