قبيح الفعل وجميل الاعتذار

       يقول النبي صلى الله عليه وسلم “خيركم من بدأ بالسلام” وهي كلمة سهلة وبسيطة وصادقة تنمي الحب والمودة والتسامح والعفو الجميل، فتعود العلاقات المتصدعة أكثر ترابطاً، وهي نوع من الاعتذار النبوي الراقي الذي تجاهلناه .ويقول بعض الحكماء منهم “لقمان” إياك وكثرة الاعتذار فان الكذب كثيرا ما يخالط المعاذير، أما “لين جوستون” فيقول انه يجب على الشخص قبول الاعتذار عندما يقدمه الطرف الثاني بإخلاص، وأنا أقول إن الاعتذار الزائف غير النابع من القلب وبكل إخلاص له ضرر وتأثير قوي وكبير من عدم تقديمه بالمرة، لأنه يعد بمثابة سكين قاتل وتكبر، وتصغير للطرف المقابل، وهذا ما نجده مثلا في بعض أقوالنا “وصافي اسمح لي ولا عاود لراسك”.

      إن الإنسان غير معصوم من الخطأ وليس العيب أن يخطئ أو يقع في مشكلة بسبب بعض الأخطاء، ولكن العيب أن يحاول التهرب من الاعتراف بخطئه والهروب من الاعتذار، فكيفية وأسلوب الاعتذار ثقافة وأدب راق وشجاع لا تقدرهما إلا النفوس الجميلة الراقية، ويسعدنا أن نستعرض معكم اليوم في هذا المقال قصة ألهمتني أردت مشاركتكم إياها، لربما تكون عبرة وقدوة في كيفية التعبير عن أسلوب وطريقة حسن اعتذارنا، حيث يذكر أن هناك خادما صغير السن كان يعمل عند احد الشخصيات الكبيرة، فبينما هو ذات يوم قادما يحمل صحن شاي لتقديمه إلى رئيسه وضيوفه الحاضرين، اسقط بالخطأ القليل منه على ثوب رئيسه وبمعية الجالسين، فغضب الرئيس من فعلة الغلام وسوء تصرفه وبدون مراعاة لسنه وتجربته المهنية القليلة أمر على الفور بمعاقبته وحبسه لفعلته هاته، وبمجرد سماع الغلام حكم رئيسه القاسي والصادر دون مراعاة لسنه وقلة تجربته، قام الغلام بصب كامل الشاي على رأس رئيسه فتفاجأ الرئيس من فعل الغلام المباغت وأثار ذلك غضبه أكثر فأكثر أمام الحضور، لدرجة أن لون وجهه أصبح شبيه بلون الطماطم فقال له بانفعال يا غلام كيف تجرأت على فعل هذا، فأجابه الغلام بكل هدوء، إنما فعلت هذا سيدي حفاظا على عرضك، لئلا يسوء الناس صغر ذنبي الذي بسببه أمرت بمعاقبتي وحبسي فينسب إليك الظلم والجور، وصنعت هذا الذنب لتعذر في معاقبتي وترفع عنك الملامة ولا يتكلم عنك احد بسوء، “انظر لرد الغلام وأسلوبه” ففكر الرئيس بكل تمعن وحكمة بكلام الغلام، فقال له يا قبيح الفعل يا جميل الاعتذار قد وهبنا قبيح فعلك لجمال اعتذارك اذهب فأنت حر.

       كما يذكر انه في يوم من الأيام سئل الشيخ أبو حامد محمد الغزّالي الطوسي النيسابوري عن حكم  تارك الصلاة فأجاب الشيخ بكل حكمة وأسلوب راقي، نأخذه معنا إلى المسجد. وهذه من الحكم التي أصبحنا نفتقدها في أيامنا هاته.

        انظروا إلى مخرجات الكلام كيف تتكلم وكيف تعتذر وتفسر الأمور وتوضحها للآخرين بأسلوب يقع عليهم وقعا هادئا بحيث يستطيعون استيعابه بكل أريحية حتى ولو كانت أمور سيئة في فعلها، إن الاعتذار وأسلوبه مسألة فطرية يمكن أن تتربى وتنشأ لدينا منذ الطفولة إذا ما تعلمها الفرد واستدركها من خصال آبائه وأجداده وما من حوله. فماذا ينقصنا عن الغربيين، حيث غالبا ما نسمع منهم كلمة  آسف  Pardonعلى أي خطأ كيفما كان نوعه وبساطته في الشارع والأسواق والمعاملات التجارية،  لذا إذا أردنا أن نكون جادين في اعتذارنا فيجب علينا تجنب بعض الأسباب التي تحول دون ذلك نذكر من أهمها: أولا فجوة الأهمية “حيث عادة ما يتجه المذنبون لتبرير خطأهم ووصفه بأنه غير متعمد”، ثانيا عدم الاهتمام ” إذا لم تكن مهتمًا فلن يكون هناك ما يدفعك للاعتذار”، ثالثا التكبر وعدم القدرة على الاعتراف بالأخطاء الشخصية، وأخيرا ارتفاع حب الذات “وهي الصفة التي تجعل من صاحبها يرى أن الاعتذار يمنح الضحية الفرصة لتضخيم الخطأ وهي ثقة زائفة” .

       لذا فنحن بحاجة كبيرة لنشر أسلوب وطريقة الاعتذار في مجتمعنا، ولهذا وجب علينا تربية أبناءنا وتعويدهم وتعليمهم كلمات ومفردات وأساليب التواضع والاعتذار. وكما يقولون دائمًا أن الاعتذار من شيم الكبار. فمثلاً الأنبياء كانوا يعتذرون عن أي خطأ يرتكبوهن نذكر منهم سيدنا آدم عليه السلام: اعترف بذنبه عندما أخطأ هو وزوجه وأكل من الشجرة المحرمة: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وكذلك سيدنا موسى عليه السلام {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]. أما إبليس قبحه الله فلم تكن من شيمه أساليب الاعتذار لذا تلقى غضب الله إلى يوم البعث، لذا فنحن في أشدِ الحاجة لغرس وتعميق هذه الثقافة في مجتمعنا وفي بيوتنا إذا أردنا النهوض والتقدم والتطور والرفعة لديننا ولوطننا ولمجتمعنا. فالحياة أسلوب وليست تصيد عيوب فبين كسب وكسر القلوب خيط رفيع.  

  •  عبد العالي بن مبارك بطل

الجمعة 26/02/2021