أغلى مهر

بقلم عبد العالي بن مبارك بطل

يعرف المهر أو الصداق بأنه ” صداق المرأة الذي يقدمه لها الزوج قبل الزواج” وهو “رمز لإكرام المرأة والرغبة في الاقتران بها” وهو مأخوذ من الصدق لدلالته على صدق رغبة الزوج في المخطوبة، أو لصدق الزوجين في موافقة الشرع، وهو حق مفروض على الزوج، وألزمه بدفعه بالمعروف ولم يحدد الشرع الإسلامي قدرا معلوما للمهر، فقد ثبت في الحديث، ولو بخاتم من حديد، أو بذل منفعة، سواء كان قليلا أو كثيراً. وقد جعل الشرع الإسلامي تقديره بالمعروف والتراضي بين الطرفين “على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره”.
وتختلف صور المهر أو الصداق من مجتمع إلى آخر، فمنها من يشترط أن يكون في صورة مبالغ مالية ترتبط في الغالب بالوضع الاجتماعي والوجاهة العائلية لأسرة الزوجة، والبعض الأخر يشترط أن يكون المهر أو الصداق في صورة تسجيل ممتلكات باسم الزوجة، ويثار من وقت لآخر تساؤلات وجدل حول قيمة المهر أو الصداق ؟ وما المناسب منه؟ ومدى ارتباط قيمته بارتفاع نسب تأخر سن الزواج؟، وما مدى تفاخر وعظمة الزوجات وعائلاتهن بأي منهن مهرها أو صداقها أكثر قيمة؟ وهل أصبح المهر أو الصداق في وقتنا الحالي تعبيرا عن المظاهر والمصالح وحب المال؟ وللإجابة على هذه التساؤلات أحببت أن أشارككم قصة صاحبة أعلى مهر أو صداق بمفهومه ودلالته وهي قصة أم سليم أو ما يطلق عليها غالبا الغميصاء.
فالغميصاء أو كما يطلق عليها أم سُلَيْم بنت مِلحان بن خالد الأنصارية الخزرجية النجارية من أهل يثرب، كانت حين أهل الإسلام بنوره على الأرض تخطو نحو الثلاثين من عمرها وكانت في الجاهلية تحت زوجها طلحة بن مالك بن النضر ” ابي الصحابي الجليل خادم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، و أحد المكثرين لرواية الحديث انس بن مالك ” يسبغ عليها من وارف حبه وظليل وداده ما ملأ حياتها نضرة ورغدا، وكان أهل يثرب يغبطون الزوجة السعيدة على ما تتحلى به من جمال ورجاحة العقل وبعد النظر وحسن العمل والتمعن، ومع أول شعاع من أشعة الهداية والنور تفتح قلب «الغميصاء» على الإسلام وآمنت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما تتفتح أزاهير الرياض لتباشير الصباح في يوم كان المسلمون فيه يعدون على الأصابع، وما كان يأتي المساء حتى سارعت إلى زوجها تبثه مشاعرها وتحدثه عن ما سمعت من نساء الحي عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن إسلامها، وتعرض عليه الإسلام، لكي ينهل معها من هذا النهل الإلهي العذب الطهور ويحظى بما حظت به من سعادة وطمأنينة الإيمان، لكن زوجها عندما سمع حديثها انقبضت أساريره وغدا متجهم الوجه ولاحظت أنه لا يحب أن يسمع هذا الحديث بل وبالعكس يصر على إتباع دين آبائه وأجداده داعيا بالمقابل زوجته للرجوع عن الإسلام، فتشبث كلاهما بموقفه، فالغميصاء تكره أن تعود للكفر بعد أن طهر الله قلبها بالدين الجديد كما يكره المرء أن يقذف في النار، وزوجها لا يريد عصيان آبائه وأجداده والدخول في الدين الجديد، على الرغم من الغميصاء كانت تملك من الحجة القوية ما يمكنها من التغلب على زوجها، حيث قالت له ذات يوم أتعبد جذع شجر نبت في الأرض التي تطأها قدمك وترمي فيها فضلاتك، أتدعو من دون الله صنما مصنوع من خشب نجره لك صانع من صناع يترب” وبعد تهربه من العديد من المحاولات التي كانت تقوم بها زوجته للحيلولة لدخوله الإسلام، انصرف عنها غاضبا هائما من يثرب في اتجاه بلاد الشام وهو الذي لم يتعود
على خصام وفراق زوجته منذ زوجهما حيث كان مثال للزوج السعيد والناجح بين عشيرته وقبيلته ومات عند سفره للشام على شركه.
ولما شاع خبر ترمل «الغميصاء» وعلى الرغم من أنها كانت في سن متقدمة من العمر وأرملة وأم لطفل، تشوق كثير من الرجال إلى الاقتران بها نظرا لما تتحلى به من خصال المرأة الطيبة العاقلة القانعة والقوية ذات الجمال الآسر والذكاء النادر، وكانوا يخشون أن تردهم خائبين لما بينها وبينهم من اختلاف في الدين ولكن زيد بن سهل المكنى بـ«أبى طلحة» الذي يعد من كبار أثرياء يثرب ويملك بستانا من أكبر بساتين المدينة وفيه تسعة مائة نخلة، والذي كان يحلم بالزواج من أم سليم نظرا لما تتمتع به من خصال ولصلة القرابة التي تجمعه معها في أبي النجار، تجرأ متقدما إليها للإفصاح عن ما في نفسه، معتقدا وخاطرا في باله بأن طلبه لن يرد له في أي لحظةً من اللحظات من أي فتاة كيفما كانت ومهما طلبت من المال، إلا أن المفاجأة أذهلته وأي مهر او صداق مما يقدمه أبو طلحة، ووقف على باب دارها قائلا: يا أم سليم لقد جئتك خاطبا فأرجو ألا أرد خائبا. فقالت: مثلك لا يرد يا أبا طلحة، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فهذا مهرى ولا أريد منك صداقا غير الإسلام على الرغم من معرفتها بما يتوفر عليه من المال. فعاد يلوح لها ويطمعها بالمهر الغالي والعيشة الرغيدة على أمل أن تلين وتقلع عن عنادها الغريب، وراحت هذه المرأة الذكية اللبيبة التي ترى الدنيا تتراقص أمام عينيها المال، والجاه، والقوة، والفتوة، كلها متطلبات تتمناها وتعشقها أي امرأة في مكانها لكن قلعة الإسلام في قلبها أكبر من نعيم الدنيا كله، حيث تذكرت قوله تعالى ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ “سورة القصص الاية60 ” فأجابته بحزم بأنها تأبى الزواج بمشرك رغم ما يعرضه عليها من مال الدنيا، هذه العبارة كانت صدمةً عنيفةً وقعت على رأس ابي طلحة كالصاعقة هذا الشخص المفتخر بماله وشبابه ، فقام غاضباً وراح إلى بيته مسترخياً على فراشه ماله وأم سليم وهل خلت المدينة من النساء فصورة وملامح الغميصاء ماثلة بين قلبه وعينيه، ولما جاء اليوم التالي أسرع اليها معلناً اسلامه والشهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ووافقت على الفور من الزواج منه، وكانت حديث الناس فقد كانوا يقولون ما سمعنا بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم، إذ كان مهرها الإسلام مقابل المال الوفير، فنعم ابي طلحة بما كانت تتحلى به زوجته من كريم الشمائل ونبيل الخصائل وزاد من ذلك لما وضعت له غلاما أصبح فرحة قلبه وقرة عينه، ولما كان يتهيأ لسفر من أسفاره اشتكى الطفل من مرض الم به ففزع عنه فزعا شديدا كاد أن يلغي سفره، وخلال فترة سفره توفى الغلام الصغير فهيّأت أمّ سليم أمره، وقالت لأهلها: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه، حتى ابلغه أنا. انظر إلى صبر هذه المرأة، فالصبي ميت، والإنسان في العادة إذا أصابه الحزن يظهر على ملامحه ذلك، ولا تكون له الرغبة في أي شيء، وهذا إن دل على شيء فانه يدل على صبرها وثباتها ويقينها الكامل بالله، فالمرأة في العادة ضعيفة، فما الذي أورثها هذا الصبر؟ انه الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وعند رجوع زوجها استقبلته هاشة باشة فرحة مستبشرة كأن شيء لم يكن فيسرت له عشاءه كما كانت تفعل، فبادرها بالسؤال عن ابنه وحالته فقال: ما فعل الصبيّ؟ فقالت: “دعه فانه الآن اسكن ما عرفته” أي خير ما كان
عليه، فقرّبت له عشاءه فتعشّى هو وأصحابه الذين معه، ولما غادر أصحابه وشبع واستراح من سفره جعلت تؤنسه وتدخل عليه السرور ثمّ قامت إلى ما تقوم له المرأة فأصاب من أهله، فلمّا كان من آخر الليل ووجدت الفرصة الملائمة لإخبار زوجها عن الصبي قالت: “يا أبا طلحة ألم ترَ إلى قوم استعاروا عاريّة فتمتعوا بها فلمّا طُلبت إليهم شقّ عليهم؟ قال: ما أنصفوا، قالت: فإنّ ابنك كان عاريّة من الله فقبضه إليه”، فنظر إليها حزينا حامدا ومحتسبا ومستعينا لقدر الله الذي استرد منه ابنه راجيا من العلي ان يمده بما هو أحسن، وفي الصباح ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقص عليه ما حدث بالأمس مع زوجته قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : “بارك الله لكما في ليلتكما، فان الله سوف يعوضكم بما هو أحسن واكرم فإذا وضعت أم سليم أتيني به!” فمرت الأيام ولما ولدت ام سليم ابنها كرهت أن تحنّكه حتى يحنّكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت به مع أنس بن مالك أخوه من أمه، وأخذ تمرات عجوة فانتهى به إلى رسول الله، وهو يَهْنَأُ أَبَاعِرَ له وَيَسِمُها فقاله له: يا رسول الله، لقد ولدت أمّ سليم الليلة وهذا أخي فكرهت أن تحنّكه حتى تحنّكه أنت، قال: “معك شيء؟” قال: قلت تمرات عجوة، فأخذ بعضها فمضغه، ثمّ جمعه بِرِيقهِ فأوجره إيّاه فتلمّظ الصبيّ، فقال: “حبّ الأنصار التمر”، قال: فقلت: سمّه يا رسول الله، قال: “هو عبد الله،” أتذرون من هو عبد الله انه أبو عشر خيرة حملة القران والفقه الإسلامي اسحقا و يحي وإسماعيل وعمروا ويعقوب وغيرهم .
هذا درس بليغ لكل امرأة مستقلة في إيمانها وفي مسؤوليتها وفي تكليفها عن زوجها لهذا التمس وأمل من المرأة المقبلة على الزواج الأخذ بالعبرة والارتقاء مع من ستعيش معه، عندما يطرق باب أهلها، فلتفكر بأنه اختارها زوجة وأمّاً لأبنائه.