البنك الدولي يحدد 4 أوليات لتوفير فرص الشغل للمغاربة

حدد تقرير”مشهد فرص الشغل في المغرب”، صدر أول أمس الإثنين، عن البنك الدولي أربع أوليات لتوفير فرص الشغل للمغاربة، مرتبطة بتحسين عملية خلق هذه الفرص، ونوعية الوظائف، وتوسيع نطاق المشاركة في القوى العاملة.

وحسب التقرير، فالأولوية تتعلق بتحسين عملية التحاق الشباب بسوق الشغل، وهو الشيء الذي يمثل المرحلة الأولى من الشراكة مع المندوبية السامية للتخطيط، حيث أوضح التقرير أنه “في الوقت الحالي، لا يعمل نحو 30 بالمائة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 سنة، ولا يستثمرون في مستقبلهم من خلال بناء مهاراتهم، ويعرف هؤلاء الشباب بأنهم “خارج دائرة التعليم والعمل والتدريب”.

ويدرس التحليل التفصيلي الوارد في التقرير مستوى تعليم الشباب، ونوعهم، وخلفياتهم الأسرية، والمكان الذي يعيشون فيه، بوصفها عوامل رئيسية مرتبطة بمشكلة كونهم خارج دائرة التعليم والعمل والتدريب، ومع ذلك، يضيف التقرير،” تتجاوز المخاوف بشأن توفير فرص شغل للشباب هذه المشكلة، فالشباب ممن لديهم مستويات تعليم مرتفعة ليسوا في وضع جيد أيضا، وهم يعانون من ارتفاع مستويات البطالة، مما يؤدي إلى افتقارهم إلى الدافع وعدم مشاركتهم في النشاط الاقتصادي على المدى الطويل، وهو ما يؤثر على إحساسهم بتحقيق الذات، وكذلك على إسهامهم في الاقتصاد، الوقت الراهن وفي المستقبل على حد سواء”.

أما فيما يتعلق بتوسيع خيارات المشاركة للمرأة، فقد سجل التقرير أن نسبة النساء في القوى العاملة تقل عن 30 بالمائة في المغرب، وتوجد اختلافات كبيرة بين المناطق الحضرية والقروية،  مشيرا إلى مستويات عدم مشاركة النساء تسجل في المدن المغربية ارتفاعا كبيرا،  إذ لا تشارك أكثر من 80 بالمائة منهن في القوى العاملة، بينما تعد مشاركة الإناث أعلى إلى حد ما في المناطق القروية، فإنها آخذة في التراجع على نحو أكبر.

وذكر التقرير ذاته أن جميع النساء تعمل تقريبا في المناطق القروية بصفة غير رسمية، غالبا في مزارع عائلية وما يتصل بها من أنشطة، ولا يوجد سوى عدد قليل من البدائل المتاحة،  في جين ترتبط مشاركة المرأة، في المناطق الحضرية، ارتباطا وثيقا بالتعليم والوضع الأسري، مبرزا أنه على الرغم من أن النساء العاملات في المدن غالبا ما يكن حاصلات على تعليم جيد نسبيا، فإن غالبيتهن (55بالمائة) يعملن في وظائف غير رسمية.

ووفق التقرير، فإنه رغم زيادة عدد النساء في سن العمل في العقدين الماضيين، كان عدد النساء العاملات في سنة  2009 أكبر بأكثر من 200 ألف امرأة عما كان عليه في سنة 2019، وتتسم العوامل التي تفسر هذه الاتجاهات بالتعقيد، ولكن لانخفاض مستوى مشاركة المرأة تداعيات كبيرة على تمكين المرأة واستقلالها الاقتصادي، وعلى إمكانات البلاد الاقتصادية.

وبخصوص خلق المزيد من الوظائف الجيدة، رصد التقرير أن إضفاء الطابع الرسمي على سوق الشغل شهد  إحراز تقدم، حيث ارتفع عدد العاملين في القطاع الرسمي سنة 2019 بمقدار 600 ألف عامل عما كان عليه سنة 2010، ومع ذلك، لا يزال هناك نحو ثلاثة من كل خمسة عاملين يعملون في القطاع غير الرسمي، وعند إضافة أصحاب العمل الحر وأفراد الأسرة العاملين، يصبح النطاق العام للعمل غير الرسمي أوسع بكثير، مستدركا أنه على الرغم من ذلك، من المهم إدراك أن للسمة غير الرسمية أوجه عديدة، فهي تشمل العاملين في الشركات التي تحقق أرباحا والتي يجب أن تكون رسمية ولكنها تعمل بصفة سرية لتجنب دفع الضرائب وسداد اشتراكات الضمان الاجتماعي، وغالبا ما تكون ظروف العمل في هذه الشركات سيئة، بل وخطيرة في بعض الأحيان، كما اتضح على نحو مثير من حادث مصنع طنجة مؤخرا.

وأضاف التقرير أن الطابع غير الرسمي يشمل أيضا ملايين الأسر التي تكسب قوت يومها عن طريق العمل الفلاحي  في المناطق القروية، أو العمل الحر، أو العمل كموظفين في المشروعات متناهية الصغر والصغيرة، حيث غالبا ما تكون الإنتاجية منخفضة للغاية بحيث لا يمكن أن تصبح معها هذه الأعمال رسمية، ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن مثل هذه الوظائف، يوضح التقرير، لا يمكن أن تنتشل الناس من براثن الفقر وأن تصبح، بمرور الوقت، رابطا مهما لهم بالمجتمع، وبداية لسلم وظائف أعلى جودة فيما بعد، إلا أنه بسبب وجودهم خارج القطاع الرسمي، فإن جميع هؤلاء العمال وأسرهم تقريبا يعانون من عدم القدرة على الحصول على الخدمات الصحية، ودخل التقاعد، والتأمين من فقدان الدخل.

وشدد التقرير على أن ضم المزيد من الأشخاص في نظام الضمان الاجتماعي أمرا مرغوبا فيه، حيث إن الإستراتيجية البديلة ستتمثل في توفير الحماية الاجتماعية والصحية على نحو مستقل عن وضعهم الوظيفي، مؤكدا أن النمو الاقتصادي في حد ذاته لن يؤدي إلى إتاحة فرص أكثر بصورة جوهرية للعمل الرسمي، ويعكس الطابع غير الرسمي للعمل في المغرب، جزئيا على الأقل، هيكل اقتصاد البلاد وانخفاض الإنتاجية في بعض القطاعات، لذلك، يضف التقرير، فإنه بالإضافة إلى تحسين الحوافز للنشاط الاقتصادي الرسمي الذي قد يحدث بعض التأثير، فإن السياسات الأوسع نطاقا التي تعمل على تحسين الإنتاجية وسبل كسب الرزق داخل القطاع غير الرسمي ستكون لبنة أساسية لتنمية اقتصادية واجتماعية أوسع نطاقا.

أما بخصوص ترجمة نمو الإنتاجية إلى مزيد من الوظائف الجيدة، فقد سجل التقرير أن المغرب حقق نجاحا في تعزيز بعض الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، ولاسيما في المناطق الحضرية الرئيسية في البلاد،  وبينما أدى هذا الأمر إلى خلق بعض الوظائف الجيدة على المستوى المحلي، كانت التأثيرات على القطاعات الأخرى والمناطق الأخرى في البلاد محدودة.

وأشار التقرير إلى أن التجربة الدولية أظهرت أن التحول الهيكلي مع انتقال العمال من الأنشطة منخفضة الإنتاجية إلى الأنشطة مرتفعة الإنتاجية يعد أمرا أساسيا لعملية مستدامة لخلق فرص العمل،  ويمكن أن يشمل ذلك الأمر التوسع في القطاع الصناعي أو، على نحو متزايد، الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، مؤكدا أن  بعض المناطق شهدت هذا النوع من التحول، في الدار البيضاء، على سبيل المثال، شهد قطاع الصناعات التحويلية زيادة سريعة في الأنشطة كثيفة رأس المال وذات القيمة المضافة العالية، في حين ظهرت في طنجة قطاعات مختلفة لتقديم مساهمات أكثر توازنا في نمو الإنتاجية.

وبعدما سجل التقرير أنه على المستوى الوطني، كانت هذه التحولات الهيكلية محدودة، فمنذ سنة 2010، كان ما يقرب من ثلثي نمو الإنتاجية في البلاد يرجع إلى المكاسب التي تحققت داخل القطاعات، في حين كان الثلث فقط نتيجة لإعادة تخصيص مدخلات (intrants) الإنتاج بين القطاعات، وبالمقارنة مع البلدان الأخرى ذات المستويات المماثلة من الدخل القومي، تبرز وتيرة التغيير الهيكلي البطيئة في المغرب، شدد على ضرورة بذل مزيد من العمل على المستوى الجزئي (microéconomique) من أجل فهم أفضل لتوزيع الشركات وخصائصها وإسهامها في نمو الإنتاجية.

وخلص البنك الدولي إلى أن مواجهة كل من هذه التحديات ستكون أمرا أساسيا لتحسين آفاق فرص الشغل في المغرب، ويتطلب هذا الأمر، وفق المؤسسة المالية الدولية،  سياسات متعددة المستويات تجذب وجهات نظر القطاعات المختلفة وأدواتها، ويجب أن تراعي إستراتيجيات خلق الوظائف أيضا الاختلافات على المستوى الجهوي، بالإضافة إلى العوامل الثقافية والاجتماعية.