الخضر أم القدر (عبرة للتغلب عن كورونا)

عبد العالي بن مبارك بطل

 

من بين القصص والحكايات التي ألهمتني وأردت مشاركتكم بها هي قصة نبينا موسي عليه السلام وسيدنا الخضر.

  • فهل توقفت يوما لتتساءل عن سيدنا الخضر عليه السلام ؟
  • هل هو نبي أو ولي أو عالم أم ماذا ؟
  • هل انتابتك الدهشة والاستغراب لهذا الذي جعله الله أكثر علما و حكمة و رحمة من نبي مرسل ؟
  • أتساءلت يوما لماذا كل هذا الإصرار أن يصل سيدنا موسى عليه السلام لبلوغ المكان الذي سيلاقي فيه سيدنا الخضر عليه السلام ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾
  • و لماذا سيدنا موسى تحديدا الذي قدر له الله تعالى من بين جميع الأنبياء و الرسل أن يقابل سيدنا الخضر الأكثر علما و رحمة. هل لان نبينا موسى عليه السلام كان يدعي نفسه أكثر شخص معرفة للعلم بحكم ملاقات والتكلم مع ربه. هل لأن موسى عليه السلام أكثر الرسل اقترابا من الطبيعة البشرية و ما يعتريها من الضعف و الخوف و القتل الخطأ و التساؤل و الفضول و التلعثم و الغضب الشديد و الأسئلة الفلسفية ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ، ربما
    لكن الأكيد أن هذه القصة تحديدا تختلف تماما عن كل القصص ، قصة موسى و العبد الصالح لم تكن كغيرها من القصص ، لماذا ؟
    لأن هذه القصة تتعلق بعلم ليس هو علمنا القائم على الأسباب، و ليس هو علم الأنبياء القائم على الوحي، إنما نحن في هذه القصة أمام علم من طبيعة أخرى غامضة أشد الغموض. آلا هو علم القدر الأعلى.
    علم أسدلت عليه الأستار الكثيفة، كما أسدلت على مكان اللقاء و زمانه و حتى الاسم ﴿ عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا ﴾ ، هذا اللقاء كان استثنائيا لأنه يجيب على أصعب سؤال يدور في النفس البشرية منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض و ما عليها. هو لماذا خلق الله الشر والفقر والمعاناة والحروب والأمراض؟ كيف يعمل القدر ؟
    البعض يذهب إلى أن العبد الصالح لم يكن إلا تجسيدا للقدر لمتكلم لعله يرشدنا ﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ﴾. أهم مواصفات القدر المتكلم أنه رحيم عليم أي أن الرحمة سبقت العلم.
    فقال النبي ( موسى ) هنا نتحدث عن علم البشر: ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾
    يرد القدر المتكلم ( الخضر ) : ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
    بمعنى هي أقدار الله تعالى فوق كل إمكانيات العقل البشري ولن تصبر على التناقضات التي تراها.
    يرد موسى بكل الفضول البشري : ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ﴾
    يرد القدر ( الخضر ) : ﴿ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾
    هنا تبدأ أهم رحلة توضح لنا كيف يعمل علم القدر الرباني؟
    فيركبا معا (فضول البشر وعلم القدر) في قارب المساكين فيخرق الخضر القارب. تخيل المعاناة الرهيبة التي حدثت للمساكين في القارب المثقوب. فهي معاناة ،( ألم ، رعب ، خوف ، تضرع). جعلت النبي موسى البشري يقول ﴿ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾.
    عتاب للقدر كما نفعل نحن تماما. في وقتنا الحاضر: مثال يا رب قد ابتليتني بالأمراض والفيروسات القاتلة هل لانزال غضبك للخلاص مني ومن البشرية ؟ أخلقتني بلا ذرية كي تشمت بي الناس؟ أفصلتني من عملي كي أصبح فقيرا مدلولا؟ أزحتني عن الحكم ليشمت بي الأرادل ؟ يارب لماذا كل هذه السنوات في السجن ؟ يارب أنستحق هذه المهانة ؟
    ﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ألم أقل لك أنك أقل من أن تفهم الأقدار ؟ ثم يمضيا بعد تعهد جديد من موسى بالصبر.
    يمضي الرجلان. ويقوم الخضر الذي وصفه ربنا بالرحمة قبل العلم بقتل الغلام. ويمضي. فيزداد غضب موسى عليه السلام النبي الذي يأتيه الوحي من ربه. ويعاتب بلهجة أشد ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾ تحول من إمراً إلى نكراً، والكلام صادر عن نبي أوحي إليه. لكنه بشر مثلنا. ويعيش نفس حيرتنا. يؤكد له الخضر مرة أخرى ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ثم يمضيا بعد تعهد أخير من موسى كليم الله بأن يصمت و لا يسأل، فيذهبان إلى القرية فيبني الخضر الجدار ليحمي كنز اليتامى.
    و هنا ينفجر موسى. فيجيبه من سخره ربه ليحكي لنا قبل موسى حكمةالقدر ﴿ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا ً﴾ هنا تتجلى حكمة الإله و التي لن تفهم بعضها حتى يوم القيامة. لان الشر نسبي. و مفهومنا كبشر عن الشر قاصر ومحدود على الرغم من تداعيات بعض العارفين منه. لأننا لا نرى الصور الكاملة له . لذا فنجد من خلال هذه القصة بأن القدر أنواع وهي:
  • 1/ النوع الاول : شر تراه ولكنه خير، و هذا هو النوع الاول من القدر. فما بدا شرا لأصحاب القارب اتضح أنه فيما بعد في الوقت القريب والعاجل انه خير لهم. عندما علم اصحاب القارب بان حاكم قومهم انذاك يريد الاستيلاء على جميع القوارب الخاصة بالصيد (وهذا النوع من الشر الذي تراه فتحسبه شرا فيكشفه الله لك أنه كان خيرا و هذا نراه كثيرا في حياتنا اليومية و عندنا جميعا عشرات الأمثلة عليه)
  • 2/ النوع الثاني :شرا تراه فتحسبه شرا مثل قتل الغلام. لكنه في الحقيقة خير. لكن لن يكشفه الله لك طوال حياتك. فتعيش عمرك و أنت تضنه شرا .حيث نجد أن أم وأب الغلام لم يعرفا حقيقة ما حدث ولماذا قتل ابنهما ومن قاتله؟ هل أخبرها الخضر؟ الجواب لا . بالتأكيد قلبهما انفطر وأمضيا الليالي الطويلة حزنا على هذا الغلام الذي تمت تربيته سنين ليأتي رجل غريب يقتله ويمضي. وبالتأكيد هما لم يستطيعان أبدا أن يعرفا أن الطفل الثاني كان تعويضا لهما عن الأول.. وأن الأول كان سيكون سيئا ﴿ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .. فهنا نحن أمام شر مستطير حدث للأم والأب. ولم يستطيعان تفسيره أبدا . و لن تفهم أم الغلام وابوه أبدا حقيقة ما حدث إلى يوم القيامة .. نحن الذين نمر على المشهد مرور الكرام لأننا نعرف فقط لماذا فعل الخضر ذلك ؟ أما هي فلم و لن تعرف ..
  • 3/ النوع: الثالث من القدر و هو الأهم :-هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري لطفاللهالخفي. الخير الذي يسوقه لك الله و لم تراه و لن تراه و لن تعلمه. هل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم ؟ لا. هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه ؟ لا.. هل شاهدوا لطف الله الخفي. الجواب قطعا لا. هل فهم موسى السر من بناء الجدار؟ لا. فلنعد سويا إلى كلمة الخضر ( القدر المتكلم ) الأولى : ﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ لن تستطيع أيها الإنسان أن تفهم أقدارالله. الصورة أكبر من عقلك.
    إذن لنستعن بلطف الله الخفي في نشر كل ما نتعرض له في حياتنا اليومية كفيروس كورونا كوفيد 19 الذي نتعرض له في الوقت الحالي ولنصبر على أقداره التي لا نفهمها، و ويجب ان نثق في ربنا فإن قدرنا كله خير