النساء في قفص الاتهام

عبد العالي بن مبارك بطل

منذ سنوات وظاهرة التحرش بالنساء تطفو على السطح سواء من خلال العمل أو وسائل النقل أو شبكات الانترنيت والهاتف. إلا أن الأمر تطور في الآونة الأخيرة وبعد أن كانت المرأة الأكثر عرضة لتلك الظاهرة، أصبح الرجل يتعرض بدوره لنفس ما تتعرض له المرأة، وهذا من خلال شهادات العديد من شرائح المجتمع والجمعيات والتي مفادها تعرض الرجل للتحرش من قبل المرأة. هذا النوع من التحرش الذي تطلق عليه المرأة أو بعض شرائح المجتمع غالبا مصطلح ” كيد النساء” وهو في حقيقة الأمر له نفس أضرار تحرش الرجل بالمرأة، مما يجعل الرجل المتعرض لهذا التحرش يخجل من الإبلاغ عن تلك الوقائع التي تمس رجولته. فالسؤال الذي يطرح نفسه، هل بالفعل وصلت يد المتحرش للذكور على غرار الإناث؟ ولماذا يحجم الرجل عن تقديم شكايات حال التحرش به؟ ما وضع المتحرشة إذا كانت لها سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية؟ وهل يمكن تصنيف مصطلح كيد النساء بالتحرش؟

قبل الدخول في حيثيات المقال وجب علينا التعريف بمعنى التحرش والكيد : فمفهوم التحرش بمعناه الشائع يقصد به في الغالب المُضايقة أو إتيان أي فعلٍ غير مرحبٍّ به يشكل انتهاكاً لحقوق الضحية، بغية وصول للهدف، ويتدرج من مرحلة الإيذاء النفسي إلى الإيذاء اللفظي أو التلميحات المسيئة، ويصل لحد الإيذاء الجسدي والجنسي والمعنوي. أما مفهوم الكيد وهو الحيلة أو المكر أو الخداع أو قلب الحقائق لبلوغ الأهداف المتواخاة سواء المادية او المعنوية او الجسدية. وهي في الحقيقة نفس أهداف وأضرار التحرش على الرغم من اختلاف نوعه. لان كيد النساء مثلا يظهر في شكل أوضح بالمقارنة أو المعنى بمجرد امتناع الرجل من الاستسلام والاستجابة لتحرشات المرأة، وهنا يظهر الكيد الحقيقي للمرأة وذلك من خلال سعيها للانتقام واتهام الرجل بالتحرش بها وهذا ما سنلاحظه لاحقا من خلال قصة سيدنا يوسف وزوليخه.

فحسب الدراسات التي أجرتها العديد من الجمعيات الدولية منها الفرنسية المختصة بالدفاع عن الرجل، هناك إجماع على أن تحرش النساء بالرجال في ارتفاع مطرد، إذ يتعرض رجل واحد من بين خمس فرنسيين إلى التحرش، وبحسب الدراسة ، فإن 18٪ من الفرنسيين يقولون إنهم ضحايا التحرش الجنسي او المعنوي. نصفهم من قبل زميلات في العمل أو رئيسات في العمل، إضافة إلى بعض الزبونات. وهذا خير دليل على ان المرأة ليست وحدها ضحية للتحرش، فالرجل بدوره عرضة للتحرش ، وإن كان بنسبة أقل مقارنة بالمرأة، لكن هل هذه المعطيات حقيقية لأننا نعرف أن الرجل بطبيعته الغريزية والجسمانية يخجل من الاعتراف بهذه الحقيقة، فليس من المتصور أن يشكو الرجل بأنه تعرض للتحرش، حيث أن الجاني ومرتكب عملية التحرش يعتبر نفسه في مأمن لأنه على ثقة ويقين أنه لن يقع تحت طائلة القانون، أو اللوم. لأنه يعرف أن لا أحدا سيصدق الرجل إذا قال انه تعرض للتحرش، خاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والمحافظة، وهذا ما يجعل الرجل يحجم عن تقديم الشكايات والبلاغات ، وبالتالي فاعتقد ان نسب الشكايات المصرح بها غير حقيقية مقارنة بالواقع، وهذا ما يضع موضوع التحرش بالذكور من المواضيع والقضايا المسكوت عنها في مجتمعاتنا، لأن اعتراف الرجل وتقديمه شكاية بتعرضه للتحرش يعد بالنسبة له أكثر قسوة مقارنة بالمرأة ، كما انه في يومنا هذا لا يزال هناك نوع من الإحراج والعار إذا أفصح الرجل انه تعرض أو كان ضحية للتحرش من قبل النساء. حيث انه يخشى من أن يتم إلقاء اللوم عليه بسبب قلة رجولته وذلك حسب العامية (راك راجل أصاحبي). إضافة لعدم وجود هياكل وجمعيات بشكل كاف تسمح وتؤطر ذلك.

فالتاريخ الإسلامي والعربي لم يخل من قصص وحكايات تحرش وكيد النساء بالرجال، نذكر منها على سبيل المثال القصة التي جمعت بين الأميرة الأندلسية ولاّدة بنت المستكفي وابن زيدون، وقصة هند بنت النعمان مع الحجاج، وقصة بياتريس ومحمد المتوكل، وقصة شجرة الدر والمنصور على بن سلطان، وقصة روكسلانه، وقصة نور جيهان وغيرها من القصص كما أن القران الكريم لم يخل كذلك من تحرش وكيد النساء بالأنبياء نذكر من أشهرها قصة سيدنا يوسف عليه السلام و زوليخه امرأة العزيز. هذه السيدة التي رغم جمالها وحسنها ومالها ومنصبها، لم تستطع إمساك نفسها وغريزتها للحد من التحرش والكيد حيث يذكر انه «لما جيء بيوسف الصديق إلى مصر اشتراه زوج زوليخه، ليتخذه ولدا له، فلما رأته زوليخه بهرت بجماله وحسن هندامه، فشغفت به حبا، وأخذت تغريه بنفسها، وتعرض عليه مفاتنها ومحاسنها، ثم أدخلته إحدى غرف قصرها، وأوصدت أبوابها، وقالت له: هيأت نفسي لك فأقبل عليّ». ويحكي القرآن الكريم وقائع تلك المحنة التي ألمت بنبي الله يوسف (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نفسهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاي ».سورة يوسف اية 23 . فلما نجاه الله من تحرشها وصدرت براءته ما كان لمثل هذا الحدث أن يظل حبيسا داخل جدران قصر الملك، أو يبقى طي الكتمان، خاصة أنه يتعلق بسيدة القصر وامرأة العزيز، فشاع الخبر، وصار يتناقل من هنا ومن هناك، وكانت النساء أكثر الناس تناقلا للحدث، وتأثرا به وتعجبا من شأنه وحين سمعت بحديث النساء عنها أرسلت إليهن، وقامت بدعوتهن إلى منزلها لتضيفهن، وكان ذلك منها مكيدة لهن . وبعد أن جاءت النسوة ملبيات الدعوة أعطت كل واحدة منهن سكينا، وقالت مخاطبة يوسف (عليه السلام): اخرج عليهن فلما خرج يوسف عليه السلام، ورأينه، أعظمن شأنه، وأجللن قدره، وجعلن يقطعن أيديهن مندهشات برؤيته وطلعته، فحززن أيديهن بالسكاكين. «وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيم». فلما رأت زوليخه » منهن ذلك توجهت إليهن معاتبة «قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نفسهِ فَاسْتَعْصَمَ ». ولم تكتف زوليخه بهذا اللوم للنسوة، بل هددت وتوعدت يوسف في وجودهن: «وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ». انظروا لتحرش ومكائد النساء . إن الله سبحانه وتعالى رعى وحفظ نبيه يوسف من الوقوع في السوء.

فما مصيرنا نحن الضعفاء غير المحصنين من هذه التحرشات والمكائد حفظنا وحفظكم الله من شر هذه التحرشات والمكائد ونختم كلامنا بدعاء وقسم الله تعالي « وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ». راجين من الله تعالي أن يجعل أيامنا وعصرنا هذا من أجمل وأطيب العصور وأنقها من شر النفوس والحاقدين والمتحرشين والظالمين.