زهرة اعتذار للمرأة

عبد العالي بن مبارك بطل

يصادف يوم الثامن من شهر مارس من كل عام اليوم العالمي للمرأة حيث يعد بمثابة يوم احتفالي تكريماً وتعزيزاً لحقوقها ولإنجازاتها كيفما كانت (سياسية أو اقتصادية او اجتماعية أو أسرية كمربية بيت وأجيال ممتازة)وهو عطلة وطنيّة في العديد من البلدان، وقد اعتُمد هذا اليوم من قِبل الأمم المتّحدة منذ عام 1975م، حيث ظهر في بداية القرن العشرين في كلّ من أمريكا الشمالية وأوروبا، ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا اليوم تاريخاً خاصّاً بالمرأة كيفما كانت جنسيتها وديانتها ومعتقداتها.

ولا شك أن الحديث عن المرأة كثير وكثير جداً، فهناك من يخرج علينا صائحاً بأعلى صوته أنها تعد سببا رئيسيا في خروج الرجل من الجنة، كما أن هناك معتقدات بأن الإسلام هو السبب في ظلم المرأة والجور عليها ومصادرة حريتها ومنعها من ممارسة حقها في أن تعيش كمثيلاتها من النسوة الأخريات من أتباع الحضارات الأخرى، وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك ووضع الإسلام في قفص الاتهام وحاكمه وأدانه حتى قبل أن يتحرى ويتبين من براءته، بدون دليل ولا منهج علمي موضوعي، وعلى الجانب الآخر تجد من ينفى ويقول عكس ذلك، وهو أن الإسلام كرم المرأة وأعلى من شأنها. وللإجابة على هذه التساؤلات أحببت مشاركتكم قصة علاقة نبينا صلى الله عليه وسلم وتعامله مع نسائه وتعاملهن معه، فربما قد تكون بمثابة إجابات مقنعة لكل هذه التأويلات، وتعطينا قدوة لكيفية التعامل مع المرأة وتعاملها معنا.

فقبل ذلك وجب علينا إعطاء نبذة مبسطة عن مكانة المرأة في مختلف الحضارات قبل مجيء الإسلام لربما من خلالها قد تتضح لنا بعض الأمور التي تم إخفائها وجهلها، ففي الحضارة الإغريقية كانت المرأة محتقرة مهانة، حتي أنها لقبت عندهم ب “رجس من عمل الشيطان” وكانتْ كالمتاع تُباع وتشترَى في الأسواق، مسلوبة الحقوق، محرومة من حقِّ الميراث وحقِّ التصرُّف في المال. وقد قال عنها أشهر فلاسفة الإغريق أرسطو “Aristote”: “إن المرأة رجل غير كامل، وقد تركتها الطبيعة في الدرك الأسفل من سلم الخليقة”، وهو القائل أيضاً: ” أن المرأة للرجل كالعبد للسيّد”، أما الفيلسوف الإغريقي المشهور سقراط ” Socrates ” فقد قال: “إنَّ وجودَ المرأة هو أكبر منشأ ومصْدر للأزمة في العالَم، إنَّ المرأة تُشبه شجرةً مَسْمومة، حيث يكون ظاهرها جميلاً، ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت حالاً”. أما عن وضع المرأة في الحضارة الرومانية فلم يكن اقل من الحضارة السابقة حيث اعتبرتها متاعاً مملوكاً للرجل وسلعة من السلع الرخيصة يتصرف فيها كيف يشاء وكان يعتبرها الرجال شراً لا بد من اجتنابه، وأنها مخلوقة للمتعة، وهي بلا روح ولا خلود ويجب عليها العبادة والخدمة وأن يكم فمها كالبعير لأنها في نظرهم أحبولة الشيطان ، وكان بيد أبيها وزوجها حق حياتها وحق موتها وفي ذلك يقول جايوس”Caius”: “توجب عادتنا على النساء الرشيدات أن يبقين تحت الوصاية لخفة عقولهن”.

ومن خلال ما تقدم أعتقد أن الإسلام لم يظلم المرأة بل عكس ذلك، فهو الوحيد الذي صان المرأة وحفظ لها كرامتها وأعلى من شأنها، فقد جاءت النصوص الشرعية جميعها لتؤكد على أهمية احترام المرأة وتغليظ عقوبة الاعتداء عليها والحط من قدرها فقد جاء بالحديث الصحيح عن رسول الله- عليه الصلاة والسلام- أنه قال: “استوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم، إن لكم عليهن حقا، ولهن عليكم حق”. وقد نزلت سورة كاملة تحمل اسم “النساء” تبين حقوق المرأة وتنظم شؤونها وتعلي من شأنها، فالمرأة في الإسلام مصانة ولها الحرية في كل شيء ضمن ضوابط شرعية من شأنها حفظ كرامة المرأة. يقول المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون” Gustave Le Bon”: “إن الأوربيين أخذوا عن المسلمين مبادئ الفروسية وما اقتضته من احترام المرأة، وهو الذي رفع المرأة من الدرك الأسفل الذي كانت فيه، وذلك خلافًا للاعتقاد الشائع” و الدليل القاطع على تكريمها في الإسلام هو أن الجنة وضعت تحت أقدامها.

فعودة لقصة وعلاقة نبينا صل الله عليه وسلم التي أحببت ذكرها والتي تعد أجمل مثال للتعامل وأروع عبرة للتعلم وأفضل شيء يقدم في هذه المناسبة الاحتفالية الدولية للمرأة، لأننا لن نجد مثالا أروع من نبينا لنتعلم منه أصول الحب والاحترام والتعامل الحقيقي مع زوجاتنا ونساء المجتمع، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يقصر حبه على زوجاته بل كان قلبا نبعا من الحب ينهل منه العالمين فقد كان أبا حنونا وصديقا رائعا للمرأة، ولم لا تتوفر فيه هذه الشروط وهو الذي أواسى أحد أبناء الصحابة حين مات عصفوره، وضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أروع الأمثلة للحب الصادق، فالناظر لسيرته يجد أنه كان يقدر المرأة ويوليها عناية فائقة ومحبة لائقة، فهو كان أول من يواسي زوجاته ويخفف عنهم ويكف دموعهن، ولا يهزأ بمشاعرهن، بل أنه كان يهتم بهم فالحب عنده كان فطره منذ طفولته، فقلبه كان فياضًا بالمشاعر النبيلة لكل من حوله، حتى الذين يسيئون له كان دائما ما يعفو عنهم، لتتبدل مشاعر البغض بالحب، والبعد بالقرب.

ولعل من أعظم مظاهر الحب وحسن التعامل وتقدير المراة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الذي ملئ قلبه وكيانه، بحبه لأمنا خديجة، فهو عاش حياته مخلصا ووفيا لها إلى أبعد الحدود ولم يتزوج غيرها إلا بعد وفاتها، وظل يذكرها كثيرا ويدعو لها، ويوزع الهدايا على من أحبت، حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها “ما غِرْتُ على امرأة لرسول الله كما غِرْتُ على خديجة، لكثرة ذِكر رسول الله صلى الله عليه وآله إياها، وثنائه عليها”. وكانت السيدة خديجة رضي الله عنها، هي أول من أحبها الرسول وأحسن معاملتها، فلقد ناصرته وأيدته عندما جاءه الوحي فكان خائفاً يقول: زملوني زملوني، وعندما أفاق طمأنته بقولها: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقوي الضيف، وتعين على نوائب الحق. كما أن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بالسيدة عائشة، جسّدت مظهرًا آخر جميلاً لحياة المرأة، المبنية على التفاهم والاحترام المتبادل، فكان يقدم لها مالا يستطيع أحد أن يفعله الآن، حيث كان يحرص على التنزه معها ليلاً للتخفيف من أعباءها، ويبادلها الضحك ويستمع إلى نكاتها وفكاهتها. على الرغم من حمل وعبء الدعوة الإلهية التي كان يحملها ومشاغله اليومية في تسيير شئون الدين والمسلمين كما أنه لم يتعاظم على مساعدتها فى أعباء بالمنزل، ليشعرها بقيمتها وتعاطفه معها على الرغم من أشغاله الخارجية، ويمتدحها في كل الأوقات وأمام الجميع ، فضلا عن معرفته لمشاعرها دون أن تتحدث فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: “أنى لأعلم إذا كنت عنى راضية وإذا كنت عنى غضبى، أما إذا كنت عنى راضية فانك تقولين لا ورب محمد، وإذا كنت عنى غضبى قلت: لا ورب إبراهيم؟”. كما كانت رضي الله عنها من حبها له ترضى وتقبل بعيشها القليل، وتستغل أي فرصة للقرب منه و الحديث معه.

فمعاملة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحبّه لنسائه كان تعاملا راقيا وحُباً شديداً، ولا شكّ أنّ هذا الحبّ والتعامل لم يكن منصّباً على سيدة واحد او سيدتين دون سائر زوجات النبيّ، أيها الأحبة نحن في أمس الحاجة إلي هذه القصة في زمننا هذا الذي كُثرت فيه المشاكل للعودة إلي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لننظر كيف كان يتعامل مع زوجاته والمرأة بشكل عام وكيف كانت المرأة تتعامل معه، وبهذه المناسبة والذكرى السعيدة أحببت أن أرسل رسالة وزهرة اعتذار لكل امرأة قصرت في التعبير عن مشاعري تجاهها، متمنيا لها بهذه الذكرى مزيد من التألق والتوفيق في حياتها واختم قولي بحديث النبي – عليه السلام في حب وتعامل المرأة أو تفضيل الزوجة على باقي النساء: (اللَّهمَّ هَذا قَسْمي، فيما أملِكُ، فلا تَلُمني فيما تملِكُ ولا أَملِكُ).