تابعونا على:

24 ساعة

المغاربة الرحل

التقلبات المناخية تدق مسمارا في "نعش" الرحل بالمغرب

03 أكتوبر 2022 - 12:01

يشعر موحا أوشعلي الذي اعتاد العيش رفقة أسرته على الترحال في جنوب شرق المغرب أن كل “شيء تغير من حوله”. ويقول بأسى “لم أعد أجد نفسي في هذا العالم، حتى الطبيعة صارت ضدنا”.

المغاربة الرحل

قساوة الجفاف

يواجه أوشعلي مثل باقي الرحل القلائل الذين لا يزالون يعيشون وفق هذا النمط التقليدي، قساوة الجفاف الذي جعل الحصول على المياه والكلأ للماشية أمرا معقدا، فضلا عن ظروف اجتماعية صعبة.
وقد اضطر مع عائلته إلى أن يحطوا الرحال في منطقة خلاء تبعد حوالي 60 كيلومترا عن بلدة الريش الصغيرة، قرب نهر جاف.
ونصب الرجل الذي يغطي رأسه بوشاح أسود وتخترق محياه تجاعيد، قرب قرية أملاكو، خيمتان نسجتا من الصوف الأسود وأكياس الأعلاف الملونة وبقايا ملابس.
كل شيء يدور حول المياه في حياة الرحل، لكنها “أصبحت نادرة بينما ترتفع درجات الحرارة، يضربنا الجفاف دون أن نستطيع فعل أي شيء في مواجهته”، يقول الرجل الذي ينتمي لقبيلة آيت عيسى إزم الأمازيعية.
ويعتمد الترحال الرعوي على التنقل سعيا وراء الكلأ للماشية، وهو نمط معمول به في المغرب منذ آلاف السنين، لكنه يتجه اليوم نحو الاندثار.

أسوأ موجة جفاف

لا يتعدى عدد الرحل اليوم نحو 25 ألف شخص، وفق آخر إحصاء للسكان في المغرب العام 2014، مقابل نحو 70 ألفا في العام 2004، ما يمثل تراجعا بقرابة الثلثين في عشرة أعوام.
وتتذكر إدى، زوجة موحا أوشعلي، أن الأسرة “كانت تستطيع أن تعيش بشكل جيد في الماضي، لكن سنوات الجفاف المتتالية والشديدة تعقد حياتنا أكثر فأكثر. لا نستطيع شيئا بدون ماء”.
وتضيف السيدة البالغة من العمر 45 عاما بحسرة “نحن منهكون”.
ويشهد المغرب هذا العام أسوأ موجة جفاف منذ أربعة عقود، لكن الوضع مرشح للأسوأ تدريجيا في أفق العام 2050 بفعل تراجع الأمطار (-11 بالمئة) وارتفاع سنوي للحرارة (+1,3 درجات)، وفق تقديرات وزارة الزراعة.
ويوضح الباحث الأنتربولوجي أحمد سكتاني أن “الرحل كانوا دائما بمثابة مقياس للتقلبات المناخية، إذا فقدوا اليوم القدرة على التحمل، رغم تعودهم العيش في شروط قاسية، فذلك يعني أن الظرف بات خطيرا”.
ويضيف “جفاف منابع المياه الذي نلاحظه اليوم حتى في المناطق التي يسكنها قرويون مستقرون، يدق المسمار الأخير في نعش الرحل”.
ويبدأ تأثير التقلبات المناخية أولا في مسار الترحال.

يقاتلون من أجل البقاء

المغاربة الرحل

في الظروف العادية، كان رحل قبيلة آيت عيسى إزم يقضون الصيف في وادي إملشيل المحاط بالجبال حيث يكون الجو رطبا، بينما يتجهون إلى نواحي الرشيدية المجاورة الأكثر اعتدالا في الشتاء.
لكن هذا المسار “صار جزءا من الماضي، اليوم نذهب فقط أين نجد القليل من الماء لإنقاذ ماشيتنا”، كما يقول موحا أوشعلي وهو يرتشف كأس شاي.
ويخلف الجفاف أيضا تداعيات اجتماعية على حياة الرحل، إذ يضطر بعضهم إلى الاستدانة لشراء علف الماشية، وهي المصدر الأساسي للدخل بالنسبة إليهم، كما يحصل مع أحمد أسني.
ويقول أسني متحدثا قرب منبع مياه صغير يكاد يجف على الطريق بين أملاكو والراشيدية، “أستدين لشراء العلف كي أغذي قطيعي.. ولا أموت جوعا”.
لكن التأثير الأكثر انتشارا للتقلبات المناخية يبقى في الاستقرار والتخلي نهائيا عن الترحال. وهو الخيار الذي أقدم عليه حدو أوداش (67 عاما) منذ العام 2010، بعدما “تعبت من المصارعة لأجل العيش، أصبحنا مثل المنبوذين في المجتمع، لا أتخيل ماذا يعاني الرحل اليوم”. وهو اليوم يعيش في بلدة الريش.
كذلك وضع الأربعيني سعيد أوحدا رجلا في المدينة حيث استقرت عائلته لضمان دخول الأبناء الى المدرسة.
ويقول الرجل بينما كان ينصب خيمة أيضا في أملاكو “لم يعد الترحال كما كان بالأمس”، موضحا أنه لا يزال محافظا على هذا النمط فقط لإرضاء والديه المسنين “اللذين يرفضان العيش في المدينة”.
ويقول عضو بلدية أملاكو إدريس سكونتي إن محافظة أملاكو الريفية كانت تضم “460 خيمة للرحل لم يبق منها اليوم سوى نحو أربعين خيمة”.
وليس المناخ هو العامل الوحيد الذي سر ع تدهور ظروف حياة الرحل. ويوضح رئيس جمعية رحل آيت عيسى إزم موحا حداشي أن “ندرة الكلأ ترجع أيضا إلى تمل ك الأراضي في المنطقة والاستثمارات الزراعية فيها”.
ويضيف “هناك مستثمرون زراعيون يسيطرون على الفضاءات التي كانت ترعى فيها مواشي الرحل”.
كما يواجه الرحل نوعا من “العداء” من طرف بعض القرويين الذين يرفضون فكرة أن يستقروا في “مناطقهم”.
وهو ما يأسف له حدو أوحداش، قائلا “الأمر لم يكن دائما هكذا، بل كان مرحبا بنا أينما حللنا”.
في مواجهة هذه الصعوبات، لم تعد حياة الترحال تغري الشباب الذين يحلمون بالاستقرار.
وتقول هدى أوشعلي (19 عاما) التي تقيم في بيت أحد أعمامها ببلدة الريش، وتسعى لمتابعة تكوين مهني بعد مغادرتها الثانوية، إنها “تكره” الترحال، لأنها “لم تعد تتحمل رؤية والديها يعانون ويقاتلون من أجل البقاء”.
وتختم “الجيل الجديد يريد إغلاق قوس الترحال الذي يجعل الحصول على أشياء بسيطة أمرا معقدا”.

تابعوا آخر الأخبار من انباء تيفي على Google News

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سياسة

أحزاب الأغلبية تحسم في مرشحيها لانتخابات 2026 بدائرة الموت بمراكش

للمزيد من التفاصيل...

بوعيدة: الاقتصاد البحري رافعة استراتيجية لتحقيق الإقلاع التنموي بالمغرب

للمزيد من التفاصيل...

أخبار العالم

ترامب: أمريكا ستتدخل إذا أطلقت إيران النار على المحتجين

للمزيد من التفاصيل...

القسام تؤكد مقـ ـتل “أبو عبيدة”

للمزيد من التفاصيل...

مال و أعمال

تباطؤ طفيف في نمو الاقتصاد الوطني خلال الفصل الرابع من 2025

للمزيد من التفاصيل...

بريد بنك يسجل نموا مهما في أنشطته عند متم دجنبر 2025

للمزيد من التفاصيل...

أخر المستجدات

تباطؤ طفيف في نمو الاقتصاد الوطني خلال الفصل الرابع من 2025

للمزيد من التفاصيل...

إنفانتينو يحسم الجدل حول مشاركة منتخب إيران في كأس العالم 2026

للمزيد من التفاصيل...

تلميذة تضرم النـ ـار داخل داخلية إعدادية بإقليم الجديدة

للمزيد من التفاصيل...

درك آسفي يحجز 30 كلغ من القنب الهندي

للمزيد من التفاصيل...

أحزاب الأغلبية تحسم في مرشحيها لانتخابات 2026 بدائرة الموت بمراكش

للمزيد من التفاصيل...

بوعيدة: الاقتصاد البحري رافعة استراتيجية لتحقيق الإقلاع التنموي بالمغرب

للمزيد من التفاصيل...

جامعة الدول العربية تدين القيود التي تفرضها اسرائيل على حرية العبادة في القدس

للمزيد من التفاصيل...

الدعيع أسطورة الهلال يؤكد: بونو أفضل حارس في تاريخ النادي

للمزيد من التفاصيل...