في ظل الأزمة الدولية للطاقة واستمرار تداعيات الحرب على إيران، أعادت مدريد تنشيط قنواتها الدبلوماسية مع الجزائر، في خطوة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية المرتبطة بأمنها الطاقي، خاصة في ظل الاعتماد التاريخي على الغاز الجزائري كمصدر رئيسي للتزود بالطاقة.
وفي تطور لافت، قام خوسيه مانويل ألباريس، وزير الخارجية الإسباني، أمس الخميس بزيارة رسمية إلى الجزائر، وهي الزيارة التي تعد الأولى من نوعها بعد سنوات من التوتر الدبلوماسي.
فبعد سنوات من التوتر والقطيعة، دفعت الاعتبارات الطاقية مدريد إلى إعادة فتح قنوات الحوار مع الجزائر، أحد أبرز مزوديها بالغاز الطبيعي، حيث تقرر على إثر هذه الزيارة زيادة الإمدادات الجزائرية من الغاز إلى مدريد بنسبة 12 في المائة.
الجزائر من جهتها، استغلت ملف الغاز الطبيعي، لتعيد الدفء إلى علاقاتها بالجارة الإسبانية، عقب التوتر الذي حصل بين البلدين بعد دعم إسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي.
وأعلنت الجزائر، أمس الخميس، إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا، بعد تعليقها عام 2022 على خلفية أزمة دبلوماسية بين البلدين.
وقال بيان صادر عن دولة الجزائر في هذا الشأن: “أبلغ رئيس الجمهورية وزير الخارجية الإسباني بقراره إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي تربط الجزائر وإسبانيا منذ أكتوبر 2002”.
وأفاد بأن القرار يأتي “تعزيزا للحركية اللافتة للعلاقات الجزائرية الإسبانية والآفاق الواعدة أمامها، من حيث توطيدها وتنويعها”.
وفي نفس السياق، سبق أن أورد الموقع الإخباري الإسباني الرقمي “ذا أوبجكتيف” أن الجزائر “ستكافئ” إسبانيا بزيادة قدرها 12 في المائة في إمدادات الغاز منخفض التكلفة، “نظراً لموقفها في الشرق الأوسط”، في إشارة إلى أن مدريد اتخذت موقفاً إيجابياً من تطورات العملية العسكرية التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية ضد إيران في 28 فبراير 2026.
وقال الموقع إن الجزائر سترفع ضخّ الغاز اليومي عبر أنبوب “ميدغاز” إلى 32 مليون متر مكعب، وهو مستوى قريب من الحد الأقصى لقدرة هذا الخط، حسبه، مؤكداً أن السلطات الجزائرية ستبلغ وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بقبولها زيادة إمدادات الغاز الطبيعي إلى إسبانيا عبر خط “ميدغاز” الذي يربط البلدين، وذلك بمناسبة زيارته للجزائر.
وفي تعليقه على هذه الأحداث، أورد المحلل السياسي محمد شقير، أن هذه الزيارة تأتي عقب الزيارة الرسمية التي قامت بها رئيسة الوزراء الإيطالية ميلوني الأربعاء 25 مارس الجاري، والتي تمحورت بالخصوص على الرفع من إمدادات الطاقة لإيطاليا، مشيرا إلى أن نفس الموضوع كان محور الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية الإسباني للجزائر.
وأشار شقير في تصريح لموقع الأنباء تيفي، إلى أن التباحث بين البلدين، “شمل مسألة الرفع من إمدادات الغاز لاسبانيا، الشيء الذي يعكس أن تداعيات الحرب الايرانية الأمريكية الإسرائيلية على نقل الطاقة وضمان الحصول عليها كان من بين محركات هذه الزيارة”.
وأضاف: “برنامج الزيارة شمل أيضا لقاء وزير الخارجية الإسباني بوزير الطاقة الجزائري للتباحث حول الرفع من كمية امدادات الغاز الجزائري إلى إسبانيا. وبالتالي فالنظام الجزائري يحاول أن يستغل هذه الظرفية لفك عزلته الدبلوماسية واللعب بالورقة الطاقية لتقوية العلاقات الثنائية التي قلصها مع اسبانيا بعد مساندة حكومة سانشيز لمبادرة الحكم الذاتي من خلال تجميد معاهدة الشراكة التي تجمع بين البلدين”.
واعتبر المحلل السياسي، أن استقبال الرئيس الجزائري لوزير الخارجية، هو خطوة يهدف من ورائها عبد المجيد تبون إلى اضفاء طابع الأهمية على هذه الزيارة، وكذا تكريس تطبيع العلاقات الثنائية التي دشنها وزير الداخلية الإسباني عند زيارته للجزائر في سنة 2024.
وأكد على أن الجزائر “تحاول من خلال هذه الزيارة إظهار تطابق مواقف البلدين فيما يتعلق بقضايا دولية واقليمية من بينها القضية الفلسطينية وما يجري من حرب في الخليج، مع التواري في المقابل عن موقفها من سياسة إدارة ترامب، حيث لم تجرأ على التعبير عنه بشكل علني. في حين تحاول في نفس الوقت أن تستغل هذه الزيارة لإعادة التوازن لعلاقاتها في المنطقة مع الشركاء الأوروبيين بعدما تبين لها فشل مواقفها المتشددة معهم والتي استفاد منها غريمها الأساسي المغرب”.
واعتبر الحكومة الإسبانية نفسها مجددا أمام معادلة جيوسياسية دقيقة في منطقة المغرب الكبير، حيث تسعى إلى التوفيق بين حاجتها المتزايدة إلى تأمين إمدادات الطاقة من الجزائر، والحفاظ في الآن ذاته على تحالفها الاستراتيجي المتنامي مع المغرب.