لم تبدأ علاقة الدكتور عز الدين المداوي بإقليم الرحامنة مع النقاش السياسي الراهن، ولا مع التحولات التي جعلت من ابن جرير خلال السنوات الأخيرة قطبا علميا يحظى بإشعاع دولي. فقبل ذلك بسنوات، كان الرجل حاضرا في المنطقة من بوابة البحث العلمي والعمل الميداني، في تجربة قادته إلى نزالة العظم وابن جرير، ومكنته من تكوين معرفة دقيقة بجغرافية الإقليم وعدد من إشكالاته الأساسية.
وتشكل نزالة العظم واحدة من المحطات الدالة في هذه العلاقة. فعلى امتداد نحو أربع سنوات، أشرف المداوي على عمل علمي ميداني بالمنطقة، شارك فيه طلبة باحثون بتنسيق مع المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، لدراسة إشكالية مرتبطة بجودة المياه وارتفاع نسبة الفليور في المناطق ذات الطبيعة الفوسفاطية، وما يرتبط بذلك من تأثيرات صحية، خاصة على الأسنان.
ولم تكن الدراسة عملا أكاديميا عن بعد، بل استلزمت حضورا منتظما في الميدان. فقد شكلت الرحامنة، ونزالة العظم على وجه الخصوص، وجهة أسبوعية لفريق البحث، فيما استقر ثلاثة من الطلبة الباحثين بمدينة ابن جرير على امتداد فترة الاشتغال، مع توفير ظروف الإقامة والمنح الضرورية لإنجاز البحث.
ومن هنا، لم يكن ملف الماء بالنسبة للمداوي مجرد عنوان ضمن القضايا التي تعرفها الرحامنة، بل موضوعا سبق أن اقترب منه علميا وميدانيا. وهي معرفة اكتسبت أهمية إضافية بالنظر إلى أن ندرة الموارد المائية ظلت واحدة من أبرز التحديات البنيوية التي تواجه الإقليم ومجاله القروي.
هذه الصلة بالرحامنة ستتوسع لاحقا مع الارتباط بمدينة ابن جرير ومحيطها العلمي والجامعي. فقد عاش المداوي بالمدينة لفترة، ولم تقتصر معرفته بها على المؤسسات أو فضاءات العمل، بل امتدت إلى تفاصيل المجال الحضري نفسه، من خلال التجول اليومي في شوارعها وأحيائها، إلى جانب تنقلات منتظمة داخل الإقليم مكنته من الاقتراب من جماعاته ومجاله القروي وخصوصياته الاجتماعية والمجالية.
وتتقاطع هذه المعرفة الميدانية مع خلفية الرجل المرتبطة أصلا بالعالم القروي، بما يجعل فهمه للرحامنة غير محصور في ابن جرير باعتبارها عاصمة للإقليم، وإنما ممتدا إلى مجال أوسع تتباين داخله الحاجيات والتحديات بين المركز والجماعات القروية.
وفي المقابل، كان المداوي قريبا من التحول الكبير الذي عرفته ابن جرير خلال السنوات الأخيرة، مع انتقالها من مدينة ارتبط اسمها أساسا بالنشاط المنجمي إلى قطب للبحث العلمي والابتكار، خاصة مع بروز جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وما راكمته من حضور أكاديمي وشراكات وانفتاح دولي.
وهنا تحديدا تكتسب علاقة المداوي بالمدينة بعدا آخر. فمعرفته بالرحامنة تشكلت في مرحلة كان فيها البحث العلمي يتجه إلى الميدان لدراسة إشكالات محلية، ثم تواصلت في مرحلة أصبحت فيها ابن جرير نفسها فضاء لإنتاج المعرفة واستقطاب الباحثين والخبرات.
وبين التجربتين خيط ناظم يرتبط بالسؤال الذي يواجه الرحامنة اليوم: كيف يمكن تحويل ما راكمته ابن جرير من إشعاع علمي وأكاديمي إلى أثر ملموس على حياة السكان، خصوصا في مجالات الماء والتنمية القروية وتكوين الشباب وخلق الفرص وربط البحث العلمي بالحاجيات الحقيقية للجماعات؟
من هذه الزاوية، تقدم محطة نزالة العظم دلالة تتجاوز تفاصيل دراسة علمية أنجزت قبل سنوات. فهي تكشف أن معرفة المداوي بالرحامنة سبقت موقعه الحكومي والنقاش الانتخابي الحالي، وأن جزءا منها تأسس في الميدان، وسط إشكالات السكان وخصوصيات المجال، وليس فقط من داخل المكاتب والمؤسسات.
لذلك، فإن النقاش حول حضور عز الدين المداوي في الرحامنة لا يبدأ من سؤال مدى معرفته بالإقليم، بقدر ما ينتقل إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن استثمار هذه المعرفة، إلى جانب تجربته الأكاديمية والتدبيرية وصلته بالمجال العلمي لابن جرير، في تقديم أجوبة عملية عن تحديات إقليم ما تزال فيه المسافة قائمة بين الإشعاع الدولي لعاصمته العلمية وبين انتظارات جزء واسع من ساكنته؟.
للمزيد من التفاصيل...