حمل التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، أمام البرلمان مساء الاثنين 19 أكتوبر 2026، حزمة من الوعود الاقتصادية والاجتماعية الطموحة، في مقدمتها تحقيق نمو سنوي بنسبة 5%، ومضاعفة الدعم الاجتماعي، ورفع الحد الأدنى للمعاشات، وتحسين فرص التشغيل والتعليم والصحة. غير أن قراءة مضامينه تكشف عن فجوة واضحة بين سقف الطموحات ووضوح آليات التنفيذ، في ظل غياب جدولة زمنية دقيقة وكلفة مالية مفصلة لمعظم الالتزامات.
فقد خاض حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية ببرنامج يتضمن 20 التزاماً موزعة على خمسة مواثيق أساسية، بغلاف مالي إجمالي قدره 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات. لكن التصريح الحكومي لم يوضح كيفية تنزيل هذا الغلاف المالي، ولا حجم الموارد السنوية اللازمة لتنفيذ التعهدات، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية الحكومة للانتقال من الوعود السياسية إلى النتائج الملموسة.
فاقتصاديا، تراهن الحكومة على تحقيق نمو سنوي متوسط بنسبة 5% خلال الفترة 2027-2031، وحصر التضخم في حدود 2%، وضبط عجز الميزانية عند 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية العمومية إلى نحو 62% بحلول سنة 2031. غير أن هذه الأهداف على أهميتها، لم تُرفق بتصور واضح للقطاعات القائدة للنمو، أو حجم الاستثمارات المطلوبة، أو كيفية التوفيق بين توسيع الإنفاق الاجتماعي وتقليص العجز والمديونية.
اما في الجانب الاجتماعي، تعهدت الحكومة بمضاعفة الدعم الموجه للأسر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، دون تحديد مراحل الزيادة أو مواعيد تطبيقها. كما التزمت برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهرياً، وتمكين الأرامل من الاستفادة من 100% من معاش الزوج المتوفى بدل 50%، دون توضيح الكلفة الإجمالية لهذه الإجراءات أو مصادر تمويلها، في وقت تواجه فيه أنظمة التقاعد تحديات مالية وإصلاحية متراكمة.
ويظل التشغيل أحد أبرز الاختبارات أمام الحكومة، خصوصاً مع وجود نحو 2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والعمل، وبلوغ بطالة الفئة العمرية بين 15 و24 سنة نسبة 29.2%. وبينما سبق للبرنامج الانتخابي الذي قدمه الحزب أن تعهد بإحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال خمس سنوات وخفض البطالة إلى 7% بحلول 2031، نجد ان التصريح الحكومي اكتفى بالإعلان عن تكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتمكين العدد نفسه من أول تجربة مهنية، مع رفع الطاقة الاستيعابية تدريجياً إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: كم منصب شغل صافياً ستُحدث الحكومة فعلياً؟ فالتكوين والتأهيل يظلان ضروريين، لكنهما لا يعوضان غياب هدف واضح لخلق فرص العمل المستدامة.
اما التعليم، فنجد ان الحكومة تستهدف رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعليم الأساسي إلى 80% بحلول 2031، وتحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” سنة 2030، رغم مغادرة نحو 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنوياً. لكن بلوغ هذه الأهداف يظل رهيناً بتحديد مسار سنوي لتقليص الهدر المدرسي، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة.
وفي المقابل، تتضمن الالتزامات إجراءات أكثر تحديداً، من بينها رفع التحويلات المالية للجهات إلى 12 مليار درهم ابتداءً من 2027، وتخصيص 30% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، وتأهيل وبناء 100 ألف مسكن قروي بدعم مباشر قدره 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة. ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة إلى توضيح الكلفة السنوية ومراحل الإنجاز وآليات الاستفادة.
اما فيما يخص الصحة فلا تقتصر إشكالية التصريح الحكومي على الاقتصاد والقطاعات الاجتماعية، بل تمتد إلى الصحة ومحاربة الفساد وإصلاح الإدارة والعدالة، حيث تبرز التوجهات العامة دون أن تقترن دائماً بمؤشرات كمية وآجال دقيقة تسمح بقياس التقدم ومحاسبة المسؤولين. فالإصلاح لا يُقاس فقط بما يُعلن عنه، بل بما يتحقق منه على أرض الواقع.
ومن بين النقاط التي تستحق التوقف والتساؤل عنها، هو غياب ومحدودية حضور المغاربة المقيمين بالخارج في التصور الحكومي، رغم دورهم الفاعل في الاقتصاد والعملة الصعبة من خلال تحويلات العملة الصعبة والاستثمار ونقل الخبرات وتعزيز ارتباط المغرب بمحيطه الدولي.
كما يبرز غياب تصور واضح للسياسة الخارجية والدبلوماسية خلال الولاية المقبلة، بما يشمل أولويات التحرك الدبلوماسي وتعزيز الشراكات الاقتصادية والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة.
إن إغفال هذين البعدين يطرح تساؤلات حول مدى تكامل البرنامج الحكومي، ومدى استثماره في مختلف عناصر القوة الاقتصادية والدبلوماسية للمغرب.وختاما فإننا نجد بان المفارقة الأساسية تكمن في أن الحكومة تعد بتوسيع الدعم الاجتماعي وتحسين المعاشات والسكن والتشغيل، وفي الوقت نفسه تتعهد بتقليص العجز والمديونية، دون تقديم إطار مالي متوسط المدى يوضح كيفية التوفيق بين هذه الالتزامات.
إن الإشكال، في نهاية المطاف، ليس في طموح الأهداف، بل في غياب التفاصيل التي تجعلها قابلة للتحقق والقياس والمساءلة. فالتصريح الحكومي ليس مجرد إعلان للنوايا، بل هو أساس تعاقد سياسي بين الحكومة والبرلمان والمواطنين.
وبين الوعود الكبيرة والنتائج المنتظرة، سيظل الاختبار الحقيقي للحكومة المغربية هو قدرتها على تحويل الأرقام إلى برامج ممولة وانجازات ملموسة، مع تحديد آجال واضحة ومؤشرات سنوية تتيح للرأي العام والمواطن المغربي تقييم الأداء ومحاسبة المسؤولين. فالمواطن لا ينتظر أهدافاً مؤجلة إلى نهاية الولاية بقدر ما ينتظر تحسناً تدريجياً وملموساً في معيشته اليومية، وفرص شغل لائقة، وخدمات عمومية واجتماعية أكثر جودة وفعالية.
للمزيد من التفاصيل...