ذ. عبد الله قشمار لم يكن يتصور أحد أن التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، بنضالاتها التي انطلقت منذ سنة 2018 ستفقد شهيدا ينضاف إلى قائمة الشهداء الذين ناضلوا منذ القدم للمطالبة بحقوقهم العادلة والمشروعة. في يوم 24 أبريل 2019، بعد مسيرة احتجاجية انطلقت من ساحة محطة القطار أكدال قرر الأساتذة المفروض عليهم التعاقد خوض اعتصام أمام قبة البرلمان، حيث تصدر القوانين المجحفة في حق الشعب المغربي. لتقرر السلطات حينها تمام الساعة التاسعة مساء فض المعتصم بشكل عنيف، وذلك بتوظيف خراطيم المياه القوية والدراجات النارية الخاصة بقوات الشرطة. ظل الأساتذة في حالة كر وفر بسبب الهجوم الشرس الذي شنته القوات، حينها كان الشهيد عبد الله حجيلي يحاول حماية الأستاذات من بطش بعض رجال “الأمن”، تارة يطلب من سائق شاحنة الشرطة التي تطلق المياه، أن يخفض من قوة ذلك لأنه قد يتضرر أحد ما من المحتجين، وتارة يرفع يداه للسماء يترجى من مولاه الرحمة…
لم يكن يعلم أحد أنه سيغتال آنذاك، وسيُفقد رجل طيب لطالما صدح بصوته في نضالات الأساتذة المفروض عليهم التعاقد سواء بأسفي أو على مستوى جهة مراكش أسفي أو بالنضالات الوطنية التي كان يدعو لها إطار الأساتذة. كانت الساعة آنذاك قاربت الواحدة بعد منتصف الليل، أمام محلات الأكل الخفيفة المقابلة لمحطة المسافرين – القامرة، كان يسائل الأساتذة إذا ما هم قد لمحوا ابنته الأستاذة التي غابت عن أنظاره بعد فض المعتصم، في نفس اللحظة تلقى ضربة قوية موجهة لصدره بخرطوم الماء، أسقطته أرضا ثم زاده سائق الشاحنة ضربة أخرى أزمت وضعه الصحي أكثر. نُقِل الشهيد عبد الله حجيلي إلى مستشفى السويسي بالرباط وظل هناك لمدة شهر وثلاثة أيام، حتى أعلن يوم الاثنين 27 ماي تمام الساعة العاشرة صباحا عن وفاته. خلال تلك الفترة ما الذي فعلته الدولة من أجل الشهيد وأسرته ؟ كان المنع هو سيد المرحلة، إذ مُنِعت أسرته من رؤيته، ولم يُصدَر التقرير الطبي إلى يومنا هذا عن حالته الصحية رغم مطالبة الأساتذة بذلك، فكانت الدولة تحاول التماطل والتأخير وبشكل أكثر ضمانا منها لإنجاح الموسم الدراسي وعدم عودة الاضطراب من جديد.
وكعادتها، أعلنت الحكومة فتح تحقيق عاجل بخصوص وفاة والد الأستاذة ه. حجيلي، وصرَّح وزير حقوق الإنسان – ويا ليته لو صمت – أن التحقيق قد انتهى وأن نتائج موجودة، بيد أنه لحدود الساعة لم يطلع أي أحد على نتائج التحقيق. وأضحى هذا التحقيق كباقي التحقيقات الغامضة التي ذهبت مهب الريح مثل التحقيق في تسريب الامتحان الوطني لمادة الرياضيات سنة 2015، أو التحقيق بخصوص احتراق حافلة المسافرين التي كانت تقل أطفالا صغار بطانطان، وهلم جرا من التحقيقات. ولم يحاسب لحدود الآن المسؤول المباشر في مقتل الشهيد. وفي يوم 17 أبريل 2020، أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقريره السنوي حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، وشمل التقرير احتجاجات الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد متحدثا عن وفاة حجيلي ومعتبرا أن ذلك ناتج لسببين :
الاستعمال المفرط للقوة من قبل رجال الأمن.
عدم استجابة الأساتذة لمطالب السلطات الأمنية قصد رفع الشكل
دون أن يحمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان المسؤولية لأي أحد في هذا الشأن، ثم منذ متى عهدناه يفعل ذلك وهو في الأصل بصف هؤلاء؟ ! إن كل مكونات الحكومة تتحمل مسؤوليتها في استشهاد عبد الله حجيلي، فلطالما نادى الأساتذة بأن وضعيتهم هشة، وصرخوا بكل ما أوتوا من صوت بضرورة تحقيق مطالبهم، بيد أن سياسة الآذان الصماء كانت هي الحل لدى هؤلاء المسؤولين، ولم تحقق لهم الحكومة لا المطلب الرئيس “الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية” ولا المطالب الأخرى الجزئية التي من شأنها رفع القليل من الضرر عن بعض الفئات من الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد. وباستهتارها هذا حرمت حجيلي من حقه في الحياة باعتبارها أسمى حق، ويتَّمت أبناءه الثلاثة، ويُسَجل كل ما قامت به بتاريخها الأسود.
للمزيد من التفاصيل...