تابعونا على:

كتاب و رأي

عيش سليم القلب مرتاح البال

عبد العالي بن مبارك بطل

لا يخلو كل إنسان كيفما كان نوعه من حسدهذه حقيقة وفطره تغلب علينا، فمن منا لا يشعر بالحسد والغيرة في أوقات معينة في حياته
وتجاه شخص ما، خصوصا وهذه الظرفية الاجتماعية والإغراءات التي أصبحنا نعيشها في وقتنا الحالي، فقليل منا من لم يسلم من
الحسد، وإن بدا هذا السلوك طبيعيا وشائعا في بعض الأحيان والحالات، فإنه مع مرور الوقت قد يحمل آثارا سلبية للغاية على صاحبه
بحيث تشمل وضعه النفسي (كالتعاسة) أو العقلي وحتى الجسدي (كإلحاق الأضرار والمصائب بالآخرين  وبنفسه) والعياذ بالله.
ومن منا لا يستخدم كلمتي الغيرةو الحسد باعتبارهما مسمى لشيء واحد، وهذا ليس صحيحا. فالغيرة هي شعور تحسه عندما تخاف
بأن شيئا تملكه سوف يؤخذ منك ويمنح لشخص آخر أو الرغبة في الحصول على نفس الشيء دون زواله من الآخر، أما الحسد فهو
شعور عاطفي يلمّ عندما يكون لدى شخص أخر شيء ما، ويرغب الطرف الثاني زواله منه والحصول عليه  لنفسه فقط دون الطرف
الآخر، مصداقا لقوله تعالي في سورة النساء الآية 54 أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمً وهو بخلاف الغبطة فإنها تمنّي الشيء دون زواله عن الشخص الآخر.
ويمكن أن نقسم الحسد لنوعين: هناك الحسد الضار: وهو الذي أوصانا الله ونبيه محمد بالاستعادة منه وتجنبه والابتعاد عنه حسب قوله
تعالي قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ،  وكذا حديث
النبي صلى الله عليه وسلم : إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وهناك النوع الثاني من الحسد، وهو الحسد
الإيجابي أو المحمود حيث يشكل قوة محفزة إيجابية، وهو ما يطلق عليه بعض المفكرين بالقوة الدافعة نحو تطبيق مفهوم الديمقراطية أو
التكافؤ وذلك بغية تحقيق نظام اجتماعي أكثر تنافسية ومساواة مصداقا لقوله تعالى; خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون ولكن
حقيقة إذا تمعن الواحد منا في الحاسد ونفسيته نجد الغريب في الأمر أن نفسية الحاسد لا تحسد من هو في تعب عظيم كالعمل الكثير،
والمشقة الشديدة، والخطورة الكبيرة، وإنما تحسد النفوس على النعمة التي يرون صاحبها يعيش في حالة سهلة كصاحب المال، أو الذي
يعيش في سؤدد، ومرتبة ومكانة مرموقة ومتميزة. دون معرفة الأسباب والعراقيل والصعاب والشدائد التي أدت بصاحبها للوصول إليها
وهل كان في تعب من ذي قبل أم لا، وهذا ما يجعل كثيراً من الناس يكيدون وبالتالي تنطلق الوشايات حول أشخاص معينين، وتشوه
سمعتهم في كثير من الأحيان، ويتم قدح أعراضهم دون سبب. وهكذا تجد أصحاب النفوس المريضة إذا لم يستطيعوا أن يصلوا إلى منزلة
إنسان فإنهم لا يزالون يكيدون له، ويدبرون له المؤامرات للإيقاع به، وبالتالي تتقوى العداوة والخصومات حتى ما بين اقرب الناس من
أجل الحسد فقط. وتتضح تجليات كل هذا من خلال مواقع التواصل الاجتماعية كاليوتوب والانستغرام والتيك توك، والتي في الحقيقة
نحن السبب في تشجيعهم عليها وذلك من خلال كثرة المشاهدة والتعليقات من اجل الفرجة وضياع الوقت والتسلية لا للنصيحة والرفض،
وبالتالي الزيادة على تقوية الصراعات والحسد، هذا الأخير الذي يعد أول الذنوب التي عصي الله بها إضافة لكل من الطمع، والكبر.
فأما الكبر: فإنه ذنب إبليس الذي تكبر على السجود لآدم قائلاً:  خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ والطمع الذي أدى بآدم إلى الأكل من
الشجرة، ومعصية الله تعالى عندما نهاه عن الأكل منها. والحسد: هو الذي أدى بابن آدم إلى قتل أخيه حسب قوله تعالي في سورة المائدة
الآية 27 قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، فحسده، وأدى به الحسد إلى قتله، قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ
فهذا الحسد هو الذي يدفع للعدوان، ولذلك حرمته جميع الشرائع والقوانين السماوية والدنيوية، لأنه يدفع إلى البغي والظلم والاعتداء
والإيذاء، والإيقاع بالشخص الآخر وربما يتطور الأمر من الحسد الضيق بالقلب ليمتد إلى الخارج وبالتالي لظلم الأفراد والمجتمعات
كقصة سيدنا يوسف مع إخوانه. لذا أحببت أن اختم مقالي هذا بمقولة للأصمعي تستحق التأمل منا جميعاً حيث قال  رأيت رجلا بالبادية
له من العمر 120سنة فسألته عن هذا النشاط في مثل هذا العمر ؟ فقال تركت الحسد فبقي الجسد لذا نرجو الله أن يمتعنا شرف الأخلاق
وكرم الطباع والصبر وقناعة العيش وصفاء الدهن وأن ينقينا وأن يبعد ويجنب قلوبنا الحسد الضار كما نقى وغسل قلب وجسم نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم منه، لنعيش سلامة القلب وراحة البال.

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أحمد الكنوني منذ 4 أسابيع

موضوع شيِّق كما عودتنا دائما برافو

Faisal Albehany منذ 4 أسابيع

بالتوفيق اخي العزيز مقال يستحق التأمل

سياسة

انتداب اوزير أمينا إقليميا لـ”البام” بإفران

للمزيد من التفاصيل...

وهبي: يجب إعفاء الفلاحين من الديون

للمزيد من التفاصيل...

أخبار العالم

الفرنسيون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع

للمزيد من التفاصيل...

خنزير يستقل المترو..ما القصة؟

للمزيد من التفاصيل...

مال و أعمال

المغرب يفوز ب3 جوائز في تصنيف سندات رأس المال

للمزيد من التفاصيل...

لارام ” تطلق أول خط جوي يربط الداخلة بباريس

للمزيد من التفاصيل...

أخر المستجدات

سائق شاحنة يَدهس مهاجرا مغربيا مقيما بإيطاليا

للمزيد من التفاصيل...

الفرنسيون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع

للمزيد من التفاصيل...

الفنادق تُعلن عن تخفيضات جديدة لجميع المغاربة

للمزيد من التفاصيل...

العلمي: المغرب يتوفر على 2100 شركة تنشط في “الصناعة الغذائية”

للمزيد من التفاصيل...

وهبي: يجب إعفاء الفلاحين من الديون

للمزيد من التفاصيل...

دنيا بطمة: زوجي شبهني بـ”الدب” وهذا ما قمت به

للمزيد من التفاصيل...