كشفت تقارير وشهادات حقوقية عن ازدواجية المعايير التي تنهجها عدد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، متهمة إياها بتغليب حسابات سياسية وجغرافية على مبادئ الحياد والكونية التي يفترض أن تؤطر عملها.
واتهمت هذه المنظمات بتحويل كل حدث بسيط يقع في المغرب إلى “قضية حقوقية كبرى”، ترفقها بتقارير تحمل لغة مشحونة وسرديات جاهزة، بينما تتجاهل في المقابل الانتهاكات الموثقة والموصوفة في الجزائر، سواء داخل السجون أو في مخيمات تندوف، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول مصداقية هذه الجهات واستقلالية تقاريرها.
وأبرزت حادثة اعتقال الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال هذا الانحياز الفاضح، إذ أدانته محكمة جزائرية بخمس سنوات سجنا بسبب آرائه المنتقدة للنظام، دون أن تلقى قضيته التفاعل المطلوب من المنظمات التي تدعي الدفاع عن حرية التعبير، فاكتفى بعضها ببيانات باهتة لم تعكس حجم التهديد الحقيقي الذي يواجهه صنصال ونظراؤه في الجزائر.
وفي شهادة قوية، ندد عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، بما أسماه التناول الانتقائي وغير النزيه للملف الحقوقي المغربي من طرف بعض المنظمات، التي تروج لصورة نمطية تتجاهل كل التقدمات المحققة خلال العقدين الماضيين، والتي حولت المغرب إلى ورش مفتوح للإصلاح والمصالحة.
وأشار الكاين إلى أن هذه المنظمات تتجاهل عن عمد الانتهاكات التي يتعرض لها المحتجزون في تندوف، وتتبنى مواقف أقرب إلى الدعاية الرسمية الجزائرية، مؤكداً أن الجهات السيادية في الجزائر توظّف إمكانيات ضخمة لمراقبة الخطاب الحقوقي الموجّه ضدها، وتملك تأثيراً كبيراً داخل هذه المنظمات.
كما انتقد الكاين امتناع الجزائر عن التعاون مع الآليات الأممية لحقوق الإنسان، بما في ذلك عدم تقديم التقارير الدورية وعدم التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، مشدداً على أن المنظمات الدولية تغض الطرف عن هذه الخروقات لأسباب مادية وسياسية.
ورأى أن اعتقال بوعلام صنصال بتهم ملفقة، في مقابل حماية مسؤولين عسكريين متورطين في جرائم جسيمة، يعكس اختلالاً عميقاً في المنظومة الحقوقية الجزائرية، ويطرح علامات استفهام حول المعايير التي تعتمدها المنظمات الدولية في تعاملها مع الأنظمة الاستبدادية.
وختم الكاين بالتأكيد على أن مسؤولية التصدي لهذا الانحياز لا تقع فقط على عاتق الدولة، بل يجب أن يتحملها كذلك المجتمع المدني المغربي، من خلال تعزيز حضوره الدولي، وتكثيف الجهود في الرصد والتوثيق المهني، لتفنيد الأكاذيب المروجة واستعادة التوازن في سرديات حقوق الإنسان على الساحة الدولية.