عرضت مؤسسة وسيط المملكة، من خلال تقريرها السنوي المزدوج لسنتي 2022 و2023، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، معطيات دقيقة تبرز تحديات الوساطة الإدارية، ومحدودية التفاعل المؤسساتي مع توصياتها، رغم تصاعد طلبات الإنصاف والتظلم من قبل المواطنين.
وسجلت المؤسسة خلال الفترة المذكورة ما مجموعه 13 ألفا و142 شكاية وطلب تسوية ومبادرة تلقائية، حيث ارتفع العدد من 5916 في سنة 2022 إلى 7226 في عام 2023، بنسبة زيادة بلغت 22,14 في المائة، وهو ما اعتبر مؤشرا دالا على تزايد اعتماد المواطنات والمواطنين على مؤسسة الوسيط كقناة رسمية لرفع التظلمات ضد الإدارة، في سعيهم لتحقيق العدالة الإدارية.
وتوقفت المؤسسة، في عرض قدمه وسيط المملكة حسن طارق، عند عدد من الإشكاليات البنيوية التي تعيق فعالية الوساطة، وفي مقدمتها غياب التنسيق بين الهيئات العمومية، وضعف تجاوب بعض الإدارات مع التوصيات الصادرة، إضافة إلى ما وُصف بـ”الأنانية المؤسساتية” التي تعرقل التكامل المطلوب بين مؤسسات الحكامة، ما يخلق احتكاكات تمس بمبدأ التعاون الدستوري، وتؤثر سلبا على مصالح المرتفقين.
كما أبان التقرير عن تركز أغلب الشكايات في المناطق الحضرية، مما يسلط الضوء على غياب المساواة في الولوج إلى آليات الوساطة لدى ساكنة المناطق القروية، التي تعاني من محدودية التغطية وضعف الثقافة الحقوقية، إضافة إلى استمرار اختلالات مزمنة أبرزها عدم تنفيذ الأحكام القضائية، وغياب التفاعل من قبل بعض الإدارات.
وانتقد التقرير تراجع تجاوب بعض المؤسسات مع توصيات الوسيط، مبرزا بشكل خاص حالة جماعة الدار البيضاء، التي لم تفعل عددا من التوصيات رغم الطابع الملزم المعنوي للمؤسسة، ما يطرح تساؤلات حول جدوى الوساطة في ظل ضعف الالتزام الإداري، ويدعو إلى تفعيل آليات المتابعة والمساءلة لضمان احترام مقتضيات الإنصاف الإداري.
وتستعد المؤسسة، في أفق المرحلة المقبلة، لإطلاق خطة استراتيجية جديدة تغطي الفترة 2026–2030، تهدف إلى تعزيز تموقعها الترابي من خلال توسيع شبكتها الجهوية، وتنظيم حوار وطني بشأن المناصفة داخل الإدارة، إضافة إلى مراجعة الإطار التشريعي المنظم للعلاقة بين المواطن والإدارة بما يضمن فعالية أكبر للوساطة.
وأكد التقرير أن البناء المؤسساتي القائم لا يزال في حاجة إلى تجاوز الثغرات المرتبطة بالتنفيذ، داعيا إلى إرساء ثقافة مؤسساتية قائمة على التكامل، وترسيخ الثقة بين المواطنين والإدارة، من خلال جعل الوساطة وسيلة فاعلة لتحقيق العدالة الإدارية، وليس مجرد آلية رمزية للإنصات.