تابعونا على:

كتاب و رأي

عبد العالي بن مبارك بطل

نار لا ترى لكنها تحرق كل شيء

02 فبراير 2026 - 10:26

 

حقيقةٌ لا مفرّ منها أن مشاعر الغيرة قد انتابت كل واحدٍ منا في وقتٍ من أوقات حياته، سواء في محيطه العائلي أو العاطفي أو العملي، غير أنّ حدّتها تختلف من شخص إلى آخر.
فالغيرة إحساس إنساني فطري وطبيعي، قد تجعل العلاقات بين الناس في حالة نشاط وفاعلية دائمة إذا كانت حميدة، ويمكنها في الوقت نفسه أن تُجدد حياتنا بين الفينة والأخرى، لأنها تخلق فينا روح المحبة والدافع إلى تحقيق الأهداف.
غير أنّها، إذا تحولت إلى غيرة غير منطقية أو عقلانية، تصبح مرضًا خطيرًا ونارًا مدمّرة للشخص نفسه ولعلاقاته مع الآخرين والمجتمع.
وكعادتنا في مقالاتنا السابقة، حيث نحرص على سرد بعض الطرائف والحكايات المعبرة لتكون عبرة ولبنة إضافية تخدم موضوع المقال، أحببت أن أشارككم نماذج من غيرة الشاعر بهاء الدين زهير وجحا.
حيث يُحكى أن بهاء الدين زهير كان متيمًا بزوجته ويغار عليها حتى من نفسه، إلى درجة أنه كان لا يذكر اسمها على مسامع الغرباء. فكلما أراد أن يتحدث عن أمر يخصها أمام الناس، اكتفى بالقول: «بعض الناس قالوا وفعلوا». وقد نظم في ذلك بيتين يعدهما النقاد من أغير أبيات الشعر العربي، يقول فيهما:
وأنزّهُ اسمَكِ أن تمرَّ حروفُهُ………….من غيرتي بمسامعِ الجُلاسِ
فأقولُ بعضُ الناسِ عنكِ كنايةً……..خوفَ الوشاةِ وأنتِ كلُّ الناسِ
أما جحا، فقد حُكي أنه تزوج امرأةً حولاء ترى الشيء شيئين، فلما جاء بالغداء أحضر رغيفين فرأتهما أربعة، ثم أتى بالإناء فوضعه أمامها، فقالت: ما تصنع بإناءين وأربعة أرغفة؟ يكفينا إناء واحد ورغيفان. ففرح جحا وقال: يا لها من نعمة الزوجة أنعم الله بها عليّ! وجلس يأكل معها، تم سألته، كعادتهم النكذية هل تحب غيري، فقال لها بعدد شعري الان وفجأة رمته بالإناء بما فيه من الطعام، وقالت له: ويحك! كل هذه النساء فقال جحا: يا حبيبتي، أرجوكِ غيري كما شئت وأبصري كل شيء اثنين… إلا انا! فتذكرت أنه أصلع.
وهناك حكاية لرجل كان يتواجد في الحمام وزوجته تصلي، فرن الهاتف فنظر ابنه لشاشة الهاتف وأخذ ينادي اباه، الملكة وردة تتصل بك. فاكتفت الأم بالفاتحة وسلمت على الفور وخرج الأب مسرعا دون تنشيف، فقال لابنه لعن الله تعليمك وقراءتك للغة العربية، إنه مكتوب مكالمة واردة. فابتسمت الزوجة واعادت صلاتها.
فالغيرة غريزة فطرية أودعها الله في داخل كل واحد منا، وهي كسائر الصفات الإنسانية سلاح ذو حدين: إما أن تقتل صاحبها، وإما أن تنفعه.
فهناك الغيرة المحمودة التي تمنح الإنسان والمجتمع طاقة إيجابية، وتأخذ بيده نحو الأمل وتحقيق الأهداف، حيث يندفع ليتعلم من نجاح الآخرين، ويتواصل مع من سبقوه في مساراتهم بصدق وحسن نية، ويقدم الشكر لمن ساعدوه على التقدم والارتقاء. وهذه هي الفئة التي نحتاجها لبناء أجيالًا ناجحة ومبدعة.
وفي المقابل، هناك نوع آخر من الغيرة يمكن تسميتها بالغيرة الحمقاء أو النارية، نظرا لتجاوزها الحدود وشعورها غير السويٍّ والمدمر، وقد تجرّ صاحبها إلى إيذاء نفسه أولًا ثم إيذاء الآخرين دون أن يشعر، كما حدث في قصة سيدنا آدم وغيرة إبليس منه بعدما كانا في الجنة ونعيمها.
ولهذا فالغيرة غير المحمودة والعمياء قد نجدها سبب مباشر لكثير من المشاكل التي دمّرت حياة العديد من الناس والدول على اختلاف أجناسهم وأعمارهم وثقافاتهم. لأنها تجعل صاحبها عاجزًا عن العيش في هدوء وطمأنينة، وتتحول إلى نارٍ كالهشيم تحرق كل شيء، وتنزع مظاهر الحب والتسامح والصدق بينها، كما تقضي على الثقة وتغرس بذور الكراهية.
ولكن المفارقة العجيبة والغريبة أن معظم الدراسات الشائعة عن الغيرة تذهب إلى ربط الغيرة بمشاعر الحب، معتبرةً إياها أكبر دليل على العشق الصادق، بحجة أنه لا يمكن أن تتأجج نار الغيرة في داخلنا إلا تجاه شخص نحبه من أعماق قلوبنا، دون التطرق للغيرات الاخرى نخص بها غيرة المجتمعات والدول فيما بينها.
ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة الجديرة بالتأمل نذكر منها: هل يمكن فعلًا اعتبار الغيرة دليلًا على الحب الصادق بين الأطراف؟ وهل الغيرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحب، أم يمكن أن نحب شخصًا دون أن نشعر بالغيرة عليه؟ وهل يمكن اعتبار الغيرة شعورًا بعدم الأمان ونقصًا في النضج؟ وكيف يمكن للمرء أن يفرق بين “الغيرة الإيجابية” التي تحفز التطور، و”الحسد” الذي يدمر الذات؟ ولماذا تألمنا نجاحات الأقربين أكثر من نجاحات الغرباء؟ وهل الغيرة شعور فطري أم نتيجة تربية اجتماعية فاشلة؟ ولماذا الغيرة تجعل الدول تتصارع فيما بينها بدل أن تتكامل؟ وهل المجتمع “المكتفي” هو مجتمع خالٍ من الغيرة، أم هو مجتمع يقدر ما لديه؟ وهل الغيرة اعتراف ضمني بتفوق الأخر؟ كلها تساؤلات تستحق أن نطرحها بصدق على أنفسنا، لعلنا نصل إلى فهمٍ أعمق لخبايا هذا الشعور، ونتمكن من الحد من آثاره السلبية علينا وعلى مجتمعاتنا.
وفي الختام، نصيحتي لكم: غاروا على أحبابكم ومجتمعاتكم ودولكم، واغاروا على بعضكم بعضًا، ولكن لتكن غيرةً إيجابية تبني ولا تهدم، وتدفع نحو النجاح ولا تقود إلى الخراب، ولا تغاروا كما غارت بعض الاطراف سامحها الله من التنظيم الرائع لكان2025م الذي شهدته المملكة المغربية خلال الأيام الماضية.

تابعوا آخر الأخبار من انباء تيفي على Google News

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سياسة

ملف “الشعوذة الرقمية” يصل إلى البرلمان

للمزيد من التفاصيل...

إيقاف 7 مستشارين بجماعة تسلطانت عن مزاولة مهامهم

للمزيد من التفاصيل...

أخبار العالم

ترامب: أمريكا ستتدخل إذا أطلقت إيران النار على المحتجين

للمزيد من التفاصيل...

القسام تؤكد مقـ ـتل “أبو عبيدة”

للمزيد من التفاصيل...

مال و أعمال

مجموعة “العمران” تواصل تنزيل جولتها الدولية بمحطة جديدة بامستردام

للمزيد من التفاصيل...

المغرب وكوريا الجنوبية يطلقان مسار التفاوض بشأن اتفاق للشراكة الاقتصادية الشاملة

للمزيد من التفاصيل...

أخر المستجدات

ديزي دروس يتوج بجائزة “BAFTA”

للمزيد من التفاصيل...

ارتفاع المداخيل الجمركية إلى 42,2 مليار درهم بنهاية ماي2026

للمزيد من التفاصيل...

ورزازات: إطلاق حملة موسعة لمكافحة داء الليشمانيوز ونواقل الأمراض

للمزيد من التفاصيل...

أكادير.. نجاح أول تدخل طبي لعلاج سرطان الكبد بتقنية التردد الحراري

للمزيد من التفاصيل...

الاتحاد المصري يحسم جدل “نجوم القميص” استعدادا للمونديال

للمزيد من التفاصيل...

لبنان: تقديرات تشير إلى خسائر بـ20 مليار دولار نتيجة الحرب الإسرائيلية

للمزيد من التفاصيل...

مستثمرو النقل الطرقي يستغيثون بقيوح لوقف قرار ترحيل المحطة الطرقية بمراكش

للمزيد من التفاصيل...

أمن مطار المنارة يوقف فرنسية من أصول جزائرية بعد إساءتها للمغاربة

للمزيد من التفاصيل...