تابعونا على:

كتاب و رأي

المغرب في زمن التحولات الكبرى: تداعيات الحرب بين التحديات والفرص

17 أبريل 2026 - 09:23

في عالم لم تعد فيه الأزمات حبيسة حدودها الجغرافية، تفرض الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نفسها كأحد أبرز الأحداث الجيوسياسية التي تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي وتوازنات القوى الدولية. وفي خضم هذه التحولات، يجد المغرب نفسه معنياً بشكل غير مباشر بتداعيات هذا الصراع، رغم بعده عن مسرح العمليات بحكم انخراطه في الاقتصاد العالمي وارتباطه الوثيق بأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
أولى هذه التداعيات وأكثرها إلحاحاً تتجلى في صدمة الطاقة، حيث أدى التوتر في مضيق هرمز إلى اضطراب إمدادات النفط والغاز وارتفاع أسعارهما، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد المغربي الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد المواد الطاقية. فارتفاع أسعار النفط والغاز لا يعني فقط تضخم فاتورة الاستيراد “بناء على السيناريو الذي بنيت عليه الموازنة المالية”، بل يمتد تأثيره إلى مجمل النسيج الاقتصادي الوطني، “من ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج إلى الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين”.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التوجه الاستراتيجي الذي يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، من خلال العمل على إرساء منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، بما يعزز مناعة الاقتصاد الوطني في مواجهة الصدمات الخارجية ويساهم في ترسيخ دعائم الأمن الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل. ويأتي هذا التوجه امتدادًا لمجموعة من السياسات الاستباقية التي أبان من خلالها المغرب عن قدرته في تدبير الأزمات، كما كان الحال خلال جائحة كورونا، وزلزال الحوز، والفيضانات التي شهدتها بعض المناطق مؤخرًا.
غير أن هذا المسار على أهميته، يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى كفاية هذه الآلية لوحدها في مواجهة مختلف التحديات المحتملة، إذ يبدو أن تحقيق نجاعة أكبر وأنجح يظل رهينًا بتكاملها مع إصلاحات هيكلية أوسع، تشمل ” تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز السيادة الصناعية، وتطوير سلاسل الإمداد، إلى جانب تسريع وتيرة التحول نحو اقتصاد أكثر مرونة واستدام، مع اشراك جميع الجهات والقطاعات منها الخاصة”.
في المقابل، اختارت الحكومة المغربية نهجاً الطمأنة الذي يتسم بالحذر والهدوء، حيث نجد غياب الخطاب الرسمي المفصل حول تداعيات الحرب، مقابل اعتماد سياسة الطمأنة الاجتماعية. هذا الصمت لا يعكس غياب الوعي بحجم التحديات، بقدر ما يعبر عن رغبة في الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتفادي إثارة القلق، خاصة في سياق سياسي يتسم بحساسية متزايدة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية خلال الأشهر القادمة. وقد اقتصر التدخل الحكومي إلى حدود الساعة، على دعم قطاع النقل العمومي والغاز والكهرباء، في تكرار لتجربة التعامل مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يعكس استمرارية مقاربة تدريجية تقوم على امتصاص الصدمات.
غير أن هذا التحدي لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد استراتيجية أكثر تعقيداً. فالمغرب بحكم تحالفاته الدولية، يوجد في موقع حساس ضمن شبكة التوازنات الجيوسياسية، خاصة في ظل علاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج الشقيقة. هذا التموقع يجعل من مآلات الحرب عاملاً مؤثراً في قضايا حيوية.
ورغم كل هذه التحديات التي يفرضها السياق الدولي، فإننا نجد أن الاقتصاد المغربي قد أظهر وابان قدراً من الصمود خلال بداية سنة 2026، مستنداً في ذلك إلى الاستقرار الداخلي والدينامية الاقتصادية الإيجابية والتي تجلت في تحقيق نمو اقتصادي مهم في حدود 4%، وتحكم في التضخم إلى -0.6%، واستقرار سعر الفائدة عند 2.25% حيث ساهمت هذه المرونة في توفير قاعدة صلبة تتيح مواجهة تداعيات الأزمات في الأمد المتوسط. كما ساهم تحسن المردودية الفلاحية بفعل الظروف المناخية المواتية والتساقطات المطرية التي شهدها المغرب وارتفاع مخزون المياه مؤخرا، إضافة الى تنوع الاقتصاد الوطني المغربي منه مجال السياحة ومبيعات الفوسفاط وصناعات المتحولة، في دعم هذا الأداء وتعزيز الآفاق الإيجابية.
غير أن هذا الصمود يظل رهيناً بفترة زمنية معينة في حالة استمرار الحرب على المدى المتوسط والبعيد، إذ يحذر البنك المركزي المغربي من انعكاسات سلبية محتملة في حال استمرار التوترات الدولية لفترة أطول، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة واحتمال استنزاف احتياطات العملة الصعبة، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمدادات العالمية، لاسيما فيما يتعلق بالمواد الاولية. ومع ذلك قد تتيح هذه التحولات فرصاً استراتيجية للمغرب، خصوصاً في ظل أزمة المدخلات الفلاحية عالمياً وارتفاع الطلب على الأسمدة، ما يعزز موقعه كفاعل أساسي في دعم الأمن الغذائي العالمي وبالتالي كسب الموازنة ضد أعداء الوحدة وكسب مزيد من موارد العملة الصعبة.
وفي سياق إعادة تشكيل سلاسل التوريد الدولية، يبرز المغرب كوجهة مفضلة للاستثمارات الصناعية بفضل موقعه الجغرافي القريب من أوروبا وبنيته التحتية المتطورة. ويشكل ميناء طنجة المتوسط نموذجاً بارزاً لهذا التحول، حيث أضحى منصة لوجستية عالمية ومحوراً رئيسياً في حركة التجارة الدولية. كما ستعزز المشاريع القادمة والتي في طور الانجاز كميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة، هذا التوجه الذي سيكون كفيل بدعم موقع المملكة كمركز إقليمي استراتيجي للتجارة والخدمات اللوجستية مستقبلا.
كما ستتيح هذه الدينامية أيضاً فرصاً لتوسيع الحضور المغربي في الأسواق الدولية منها الأوروبية والأمريكية والافريقية، بما يخفف نسبياً من أثر ارتفاع تكاليف الطاقة، اضافة لتنوع روافد اقتصاده الوطني من السياحة والصناعات التصديرية.
ومع ذلك يبقى تعزيز القدرة على التكيف وتسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية أمراً حتمياً، إلى جانب الاستثمار في الطاقات المتجددة والبديلة والخضراء والطاقة النووية، والذكاء الاصطناعي والرقمنة، كما يجب العمل جديا وبكل تفاني على ترسيخ موقع المغرب كممر استراتيجي آمن لنقل الطاقة بما يعزز مكانته في الاقتصاد العالمي ويؤمن استدامة نموه.
في المحصلة، تكشف هذه الحرب عن مرحلة جديدة من التحولات الكبرى التي تفرض على المغرب إعادة التفكير في أولوياته الاقتصادية والاستراتيجية. وبين ضغوط الواقع وإمكانات المستقبل، يظل التحدي الأساسي هو القدرة على تحقيق التوازن بين امتصاص الصدمات الآنية وبناء أسس اقتصادية أكثر استقلالية ومرونة.
فالمغرب، وفي ظل كل هذه التحولات الدولية الراهنة، قد لا يملك رفاهية الحياد في ظل عالم متغير، بل ربما سيسعى جاهدا الى نهج سياسة خارجية براغماتية ومتوازنة وصريحة، تقوم على توظيف مؤهلاته الجغرافية وتنويع شراكاته الاستراتيجية، بما يعزز ويضمن له مكانة متقدمة تسهم في ترسيخ دوره ضمن ملامح النظام العالمي الجديد.

 

تابعوا آخر الأخبار من انباء تيفي على Google News

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سياسة

مجلس النواب يستعد لمناقشة حصيلة عمل الحكومة

للمزيد من التفاصيل...

بوريطة يؤكد أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي في استقرار وتنمية أفريقيا

للمزيد من التفاصيل...

أخبار العالم

ترامب: أمريكا ستتدخل إذا أطلقت إيران النار على المحتجين

للمزيد من التفاصيل...

القسام تؤكد مقـ ـتل “أبو عبيدة”

للمزيد من التفاصيل...

مال و أعمال

مداخيل الجمارك تتخطى 23 مليار درهم عند متم مارس 2026

للمزيد من التفاصيل...

الصيد البحري.. قيمة المنتجات المسوقة بلغت 3.11 مليار درهم عند متم مارس 2026

للمزيد من التفاصيل...

أخر المستجدات

موجة حر تضرب أقاليم جنوب المملكة نهاية الأسبوع

للمزيد من التفاصيل...

إنفانتينو يؤكد مشاركة منتخب إيران في مونديال 2026

للمزيد من التفاصيل...

جامعة موظفي التعليم: 5000 درهم غير منصفة للتعويض عن العمل بالمناطق النائية

للمزيد من التفاصيل...

بوخريص: سنحاول تدارك نتيجة الذهاب أمام الجيش الملكي

للمزيد من التفاصيل...

أخنوش: حققنا تقدما ملموسا في معدلات التأهيل الترابي

للمزيد من التفاصيل...

وهبي بفرنسا للحسم في مشاركة أكرد بالمونديال

للمزيد من التفاصيل...

بوريطة يكشف تفاصيل تأمين عودة المغاربة العالقين بإيران

للمزيد من التفاصيل...

بعثة اتحاد العاصمة تصل للمغرب تأهبا لمواجهة أولمبيك أسفي

للمزيد من التفاصيل...