الإنتحار في المغرب من منظور الطب النفسي

لا يزال المغاربة ينامون ويستيقظون على أخبار انتحار أفراد ينتمون لمجتمعهم، ولم تعد هذه المسألة منغلقة على فئة الشباب فقط، بل الأطفال والشيوخ يكون لهم نصيب في أحيان كثيرة في وضع الحد لحياتهم.

وكانت منظمة الصحة العالمية فد أعدت تقريرا حول الانتحار سنة 2014، يُقر أن عدد حالات الانتحار بالمغرب تضاعفت ما بين سنتي 2000 و2012 بنسبة 97.8%، حيث انتقل معدل حوادث الانتحار من 2.7 لكل مائة ألف سنة 2000 إلى 5.3 لكل مائة ألف سنة 2012.

وشهد المغرب سنة 2012 وفق منظمة الصحة العالمية 1628 حالة انتحار، سجل من خلالها المُسنون معدل 14.4 حالة من كل مائة ألف مسن، فيما لم تتعد النسبة الخمسة من كل مائة ألف في باقي الشرائح العمرية.

ولمعرفة تداعيات الموضوع من الجانب النفسي والاجتماعي، حاورنا الدكتور جواد مبروكي، طبيب ومحلل نفساني  وخبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي.

  • في الآونة الأخير صرنا نقرأ العديد من الأخبار عن انتحار أشخاص لظروف غالبا ما تكون غامضة، كيف يفسر علم النفس هذا الأمر؟

أظن أنه بفضل التطور التكنولوجي وازدياد عدد الصحافيين وحرية الصحافة وخاصة الصحافة الالكترونية، فقد أصبحت الأخبار بصفة عامة تصل بسهولة، وفي بعض الأحيان عبر المواقع الاجتماعية، بالإضافة إلى التطور الثقافي للمجتمع المغربي وتكسير عدد كبير من الطابوهات بما فيهم ما يتعلق بالانتحار، جعل الصحافة تنشر حالات الانتحار في جميع أماكن المغرب، أما الإنسان الذي يلجأ للانتحار فهو مريض وقد وصل عذابه الداخلي إلى درجة قصوى، حيث يرى أن الانتحار هو الحل الوحيد ليوقف هذا الألم النفسي، والأمراض النفسية كلها أمراض بيولوجية ولا علاقة لها مع الإيمان أو الضعف الروحي، ونحن نعرف أن بين المنتحرين نجد مؤمنين وحتى رجال دين في كل أرجاء العالم، والأخطر من هذا أنه بعد أن يُنقل المريض في أعقاب محاولته الانتحارية إلى قسم المُستعجلات، يتم الاكتفاء فقط بتقديم الإسعافات الأولية له و من ثم يُسمح له بالعودة إلى منزله،  بدون أن يخضع في الحين لفحص طبي نفساني كافي لتقويم خطورة الانتحار وإصدار ما يجب القيام به، لحماية المريض من طرق علاجية سليمة.

  • هل هناك إحصائيات رسمية عن عدد المنتحرين في المغرب؟

أعلنت المنظمة العالمية للصحة بأنه تقع في المعدل العام العالمي حالة انتحار واحدة في كل 40 ثانية.  أما بالمغرب على الصعيد الوطني في العام 2012 تم تسجيل 1628 حالة انتحار علماً أن هناك صعوبات في تقديم إحصاءات دقيقة لظاهرة الانتحار في مجتمعنا.

  • ما هي الأسباب النفسية والاجتماعية التي تؤدي إلى الانتحار؟

هناك ما يسمى بالانتحار الاندفاعي بدون أي تخطيط مسبق له، وتكون أسبابه متعددة اجتماعية واقتصادية حتى نفسية في حالات حادة ومفاجئة، أما الانتحار المبرمج ومهما كانت أسبابه، فإن ضحيته تكون قد دخلت في حالة اكتئاب مسبق، الأمر الذي بإمكانه أن ينتهي بالانتحار في غياب العلاجات المرافقة.

  • من الغريب جدا أن ينتحر شيخ دين نظرا لتحريم الإسلام لهذا العمل، غير أنه في المغرب كانت حالات انتحار من رجال دين، كيف تفسرون هذا التناقض؟

ليس بتناقض بل الانتحار يأتي في أغلب الأحيان بعد حالة اكتئاب بدون علاج، ومرض الاكتئاب هو مرض بيولوجي يصيب جميع الشرائح المجتمعية، ولا علاقة له بدرجة الإيمان مثله مثل جميع الأمراض كالسكري والجلطة الدماغية، واعتبار محاولة الانتحار ضعف روحي هو الذي يجعل المجتمع المغربي يستخف من خطورة الانتحار، ويتعامل مع هذا الأمر بكل برودة وكأنه شيء بسيط  وعادي، ولا يأخذ (المجتمع) عملية المحاولة الانتحارية بجدية، و لا يرون أنها عملية خطيرة وبأن حياة المريض تبقى تحت خطر تكرار المحاولات الانتحارية في أي وقت، خاصة إذا لم يُعالج المريض ولم يتم وضعه تحت المُراقبة الطبية في المستشفى، لحمايته من نوازعه الانتحارية وتوفير الخدمات العلاجية له.

  • يتداول الكثيرون عبارة  إنسان “مختل عقليا” فما معناها ؟

“مختل عقلي” هي عبارة لا معنى لها في الطب النفسي، ولا يوجد مرض نفسي يسمى “مختل عقلي” بل هي عبارة متداولة في الثقافة المجتمعية، ومن المعروف دوليا أن هناك 20 في المائة، ممن يعانون  من اضطرابات نفسية (كل أنواع الأمراض النفسية).

  • لماذا أصبحنا نسمع بالانتحار أكثر من الماضي؟

أرى أنه من الصعب أن نتكلم عن “تزايد حالات الانتحار” إذا لا نتوفر على إحصائيات، لكن ما نلاحظه هو أن الصحافة تعلن تقريبا يوميا حالة انتحار، وهذا لا يعني أن حالات الانتحار قد ازدادت، وإن أعلنت الصحافة عن حالات الانتحار خصوصا في بعض المناطق، فهذا لا يعني إحصائيا أن هذه المناطق فيها عدد المنتحرين أكثر من المناطق الأخرى، فمن الممكن أن السلطات أصبحت تخبر الصحافة عن الانتحار أكثر من مناطق أخرى، أو ربما أن المراسلين الصحافيين المسؤولين عن هذه الجهات مهتمون أكثر بحالات الانتحار.

  •  هل يمكن القول بأن انتحار شاب في العشرينات هو أسلوب جديد للانتقام من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي صار يعيشها المغرب، أم أنها استسلام لهذه الظروف وجبن في التصدي لها؟

لا أظن أنه أسلوب جديد ولا استسلام للظروف لأن الانتحار هو تعقيد لحالة الاكتئاب، ونعرف جيدا أن هذه الفئة العمرية هشة جدا نفسانيا، باعتبارهم لا زالوا في المراهقة والتي بإمكانها أن تصل إلى سن 25 كما نعرف أنهم يعيشون ظروفا صعبة دراسيا واجتماعيا واقتصاديا، وبالتالي يعيشون الإحباط والكبت وهم معرضون إلى مرض الاكتئاب، إضافة إلى غياب سهولة اللجوء إلى العلاج مما يجعل حالتهم تتفاقم وتصل في بعض الأحيان إلى الانتحار.

  • كيف يمكن التصدي لهذه الظاهرة التي أصبحت تدور في أذهان الكثيرين، وباتت وسيلة محاولة من فئات مختلفة تنتمي لهذا المجتمع، وسرقت أرواحا ربما لم تكن تفكر في الانتحار قط؟

الإنسان بطبيعته الحيوانية كجميع الحيوانات يخاف الموت، ويقاوم بكل الطرق للحفاظ على الحياة، وعندما يصل الشخص إلى اتخاذ  قرار الانتحار، فهذا يعني أنه يعيش عذابا مؤلما لا يطاق، ويأتي الانتحار على شكل عملية تمر بعد عدة مراحل، فيجد بذلك في الانتحار تحرره من العذاب، ولهذا فمجتمعنا في حاجة إلى التحسيس بخطورة الانتحار والتعامل معه بكل جدية، إضافة إلى مرافقة المريض في علاجه، وهذه المسألة تهم الصحة العمومية، حيث يجب وضع برنامج متكامل للوقاية وتوفير كل أجهزة علاج الأمراض النفسية.