أكد نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، على أن اختيار موضوع “حماية الأسرة المغربية ومنظومة القيم: صون الهوية وبناء سياسات عمومية دامجة” ليكون محور الندوة الوطنية التي عقدها الحزب أمس الجمعة بمدينة الرباط، يأتي انسجاما مع الالتزامات الخمسة التي أعلن عنها الحزب ضمن رؤيته للسنوات الخمس المقبلة، باعتبار الأسرة ركيزة أساسية للحفاظ على الهوية الوطنية وصون الثوابت الجامعة للمملكة.
وفي هذا الصدد، اقترح بركة في كلمة ألقاها بمناسبة انعقاد هذه الندوة، إعداد ميثاق وطني للأسرة المغربية خلال الولاية الحكومية المقبلة، باعتباره إطارا مرجعيا لبناء سياسة عمومية مندمجة ومتكاملة للأسرة، يقوم على خمس ركائز أساسية، تتمثل في جعل الأسرة خط الدفاع الأول ضد الفوارق الاجتماعية والهشاشة، ومرافقتها في مختلف مراحل حياتها، وتقدير الأمومة والأبوة، وتعزيز التضامن بين الأجيال، وتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والحياة الأسرية، إلى جانب اعتماد سياسات أسرية ترابية تراعي الخصوصيات المحلية والثقافية.
وأوضح أن الأسرة ليست مجرد خلية اجتماعية، وإنما هي المؤسسة والمدرسة الأولى للأمة المغربية، حيث تتشكل قيم المسؤولية وحب الوطن والوسطية والاعتدال والتضامن والتلاحم والاحترام المتبادل، كما تمثل الحصن المنيع الذي يحمي الشباب من التطرف واليأس والانحراف.
وأشار إلى أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتسارعة التي تعرفها بلادنا والعالم تفرض ضرورة تحصين الأسرة المغربية وتقويتها.
وفي هذا الصدد، قال أنه “إذا كانت المملكة قد وضعت الإنسان في صلب النموذج التنموي، فإن تعزيز أسس الدولة الاجتماعية يقتضي إطلاق ورش وطني جديد لا يقل أهمية، يتمثل في بناء سياسة عمومية متكاملة ومندمجة للأسرة”.
وشدد بركة على أن حماية الأسرة لا يمكن أن تظل مسؤولية قطاع حكومي واحد، بل تستوجب التقائية السياسات العمومية، من اقتصاد وصحة وتعليم وسكن وبيئة وحماية اجتماعية، لأن الأسرة القوية هي أساس الدولة القوية والمجتمع المتماسك، وهي التي تبني مستقبل البلاد.
وأكد أن الهشاشة الاجتماعية تشكل اليوم التحدي الأكبر أمام الأسر المغربية، مبرزا أن حوالي أربعة ملايين أسرة تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر الذي يتراوح بين 500 و1300 درهم حسب عدد الأطفال، غير أن المطلوب هو الانتقال من منطق الدعم الظرفي إلى تمكين الأسر من دخل قار يضمن لها الاستقرار والقدرة على التخطيط لمستقبلها.
وأوضح أن الحزب يدعو إلى تحويل المساعدات الاجتماعية إلى عقد حقيقي للإدماج الاقتصادي والاجتماعي، عبر تعزيز قدرات أفراد الأسرة من خلال التكوين، ومحاربة الأمية، وتطوير المهارات الرقمية، والإدماج المستدام في سوق الشغل، وفتح المجال أمام الأنشطة المدرة للدخل، كالتعاونيات والعمل الحر والمقاولات الصغرى، إلى جانب توفير المواكبة الاجتماعية والنفسية للأسر من أجل إخراجها من دائرة الفقر، خاصة وأن نسبة الأسر القادرة على الادخار لا تتجاوز 12%.
وفي المحور المتعلق بمرافقة الأسر طوال مراحل حياتها، أبرز نزار بركة أن احتياجات الأسرة تختلف باختلاف مراحل تطورها، مما يفرض توفير خدمات مواكبة مستمرة، مع تنزيل وتثمين المشاريع الاجتماعية الكبرى، وعلى رأسها المشروع الملكي المتعلق بالتعويض عن فقدان الشغل، والعمل في الوقت نفسه على معالجة الإشكالات الاجتماعية والوقاية منها، خاصة في ظل ارتفاع حالات الطلاق.
ودعا في هذا الإطار إلى إحداث “بيوت الأسرة” لتقديم خدمات الوساطة الأسرية والدعم الاجتماعي والنفسي ومواكبة الأسر الشابة، معتبرا أن الوساطة الأسرية أصبحت ضرورة ملحة للمساهمة في الحفاظ على تماسك الأسر والتخفيف من اللجوء إلى القضاء.
كما توقف عند أهمية تعزيز الحماية الاجتماعية، مشيرا إلى أن حوالي 80% من الأسر تستفيد اليوم من التغطية الصحية، غير أن النفقات الطبية ما تزال تثقل كاهل العديد منها، الأمر الذي يستدعي مواصلة إصلاح المنظومة الصحية، لاسيما عبر المجموعات الصحية الترابية ومراجعة أسعار الخدمات لتقليص النفقات المباشرة التي تتحملها الأسر.
وأكد أيضا ضرورة إدماج وضعية الإعاقة ضمن معايير ومؤشر الدعم الاجتماعي، حتى تستجيب السياسات العمومية بشكل أفضل لاحتياجات الأسر التي تضم أشخاصا في وضعية إعاقة، مع تعزيز المقاربة الوقائية في مختلف البرامج الاجتماعية.
وتطرق كذلك إلى إشكالية المديونية المفرطة للأسر، معتبرا أنها أصبحت من العوامل التي تؤثر سلبا على الاستقرار الأسري وعلى الصحة النفسية للأطفال ومستقبلهم، داعيا إلى مراجعة السياسات المرتبطة بالديون الأسرية، ومؤكدا تطوير مقترحات عملية بهذا الشأن خلال الولاية الحكومية المقبلة.
كما نبه إلى تنامي المخاطر الرقمية التي تواجه الأسرة المغربية، من قبيل الإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني والابتزاز والتعرض للمحتويات غير الملائمة، مؤكدا ضرورة تطوير قدرات الأسر وتمكينها من وسائل الوقاية والتأطير والمواكبة.
وفي محور تقدير الأمومة والأبوة، دعا إلى اعتماد سياسة خاصة لفائدة الأشخاص المسنين، تقوم على تثمين خبراتهم، وإحداث فضاءات ونواد خاصة بهم، وتشجيع الأسر على رعاية الوالدين والحفاظ على مكانتهما داخل الأسرة المغربية باعتبار ذلك جزءا من منظومة القيم الوطنية.
وأكد كذلك على أهمية تحقيق المصالحة بين الحياة المهنية والحياة الأسرية، من خلال تعميم دور الحضانة، وإقامة شراكات مع المقاولات، واعتماد صيغ مرنة للعمل، من قبيل العمل عن بعد، والتوقيت المرن، وتكييف أوقات العمل لمراعاة الالتزامات الأسرية.
وفي هذا الإطار، شدد على أن حزب الاستقلال يعتبر الرفع من نسبة انخراط النساء في سوق الشغل خيارا استراتيجيا، مؤكدا أنه لا يمكن بناء طبقة متوسطة قوية ولا تعزيز قدرات الأسر على الارتقاء الاجتماعي دون تمكين النساء، إلى جانب الرجال، من فرص الشغل والاندماج الاقتصادي.
وأشار أيضا إلى أن السياسة الأسرية المنشودة ينبغي أن تكون قريبة من المواطنات والمواطنين، وأن تراعي الخصوصيات الترابية والثقافية لمختلف مناطق المملكة.
وسجل أن المعطيات الحالية، التي تفيد بأن 53% من الشباب لا يرغبون في الزواج، إلى جانب تراجع معدلات الخصوبة، تطرح تحديات ديمغرافية واجتماعية غير مسبوقة تستوجب اعتماد سياسات عمومية مبتكرة لدعم الأسرة وتشجيع الاستقرار الأسري.
وختم نزار بركة بالتأكيد على أن مشروع الميثاق الوطني للأسرة المغربية الذي يقترحه حزب الاستقلال يروم تقوية أسس الدولة الاجتماعية، وحماية المواطنين، وتعزيز التكامل بين دور الدولة ودور الأسرة في بناء المجتمع، وترسيخ قيم الإسلام الوسطي، مؤكدا أن حماية الأسرة تعني حماية المجتمع وصون الهوية الوطنية وضمان مستقبل الأجيال القادمة.
للمزيد من التفاصيل...