أكد العلامة الدكتور اليزيد الراضي، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، أن علماء سوس اضطلعوا عبر التاريخ بأدوار تجاوزت مجالات التدريس والإفتاء والتأليف، لتشمل الدفاع عن وحدة المغرب وسيادته، والمساهمة في تدبير الشأن العام، ومواجهة التحديات التي عرفتها البلاد خلال مراحل مختلفة من تاريخها.
وأوضح الراضي، خلال درس افتتاحي ألقاه، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، بمؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، في موضوع «علماء سوس وقضايا الأمة»، بمناسبة افتتاح برنامجها العلمي والثقافي للموسم الجامعي 2026-2027، أن علماء هذه المنطقة، شأنهم شأن علماء باقي جهات المملكة، لم يقفوا موقف المتفرج من الأحداث والتحولات التي شهدها المجتمع المغربي، بل كانوا فاعلين في عدد من محطاته التاريخية.
واستهل الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى مداخلته بالتوقف عند مفهوم العالم ووظيفته داخل المجتمع، معتبرا أن التحصيل العلمي، مهما بلغت درجته، لا يكفي وحده لاكتساب صفة العالم، ما لم يقترن بالاستقامة الأخلاقية والقدرة على تبليغ المعرفة وتسخيرها لخدمة الناس.
وشدد في هذا السياق على أهمية الجمع بين الكفاءة العلمية والتدين والأخلاق والتواصل الفعال مع المجتمع، مؤكدا أن العالم مطالب بالانخراط في قضايا أمته، وفهم حاجاتها، والمساهمة في معالجة مشكلاتها، بدل الاكتفاء بالمعرفة النظرية والانزواء بعيدا عن واقع الناس.
وانتقل الراضي إلى استعراض عدد من القضايا الكبرى التي انشغل بها علماء سوس، وفي مقدمتها صيانة الوحدة الدينية والوطنية، وتقوية الدولة والحفاظ على هيبتها، وترسيخ العدل والإنصاف، والإسهام في التكافل الاجتماعي ومواجهة أسباب النزاع.
وفي تناوله لقضية الوحدة الدينية، أبرز المحاضر دور علماء المغرب في المحافظة على الثوابت الدينية المشتركة، من خلال التشبث بالعقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني، معتبرا أن هذه المرجعيات أسهمت في الحد من الخلافات المذهبية والفكرية وتعزيز التماسك بين المغاربة.
كما توقف عند العلاقة التاريخية بين علماء سوس ومؤسسة إمارة المؤمنين، مستحضرا نماذج من المواقف التي عبر فيها العلماء عن دعمهم للسلطة الشرعية، ومساهمتهم في توحيد الصفوف وإصلاح ذات البين، والتصدي لمظاهر الفتنة والانقسام.
وفي قراءة لعدد من المحطات التاريخية، استعرض الراضي أدوار شخصيات علمية سوسية ارتبطت بنشأة دول وتعزيز مؤسسات الحكم بالمغرب، مستحضرا أسماء من قبيل عبد الله بن ياسين ومحمد بن تومرت، إلى جانب شخصيات أخرى ساهمت في تدبير شؤون الدولة وتولي مسؤوليات إدارية وقضائية.
واعتبر أن حضور العلماء في هذه المجالات يعكس طبيعة العلاقة التي ربطت المعرفة الدينية بالشأن العام في التجربة المغربية، حيث لم تكن وظيفة العالم محصورة في التعليم، بل امتدت إلى الإسهام في تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية بحسب ظروف كل مرحلة.
وخصص الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى جزءا من درسه لاستحضار مساهمة علماء سوس في مقاومة التدخلات الأجنبية والدفاع عن السيادة الوطنية، مشيرا إلى مشاركتهم في حماية الثغور المغربية، وتعبئة السكان لمواجهة الأخطار الخارجية، فضلا عن انخراط عدد منهم في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني.
واستشهد في هذا الإطار بنماذج من العلماء الذين شاركوا في التعبئة الوطنية، سواء من خلال الخطب والرسائل والقصائد الشعرية، أو عبر المشاركة الميدانية وتقديم الدعم للمقاومين، معتبرا أن هذه المواقف تعكس ارتباط علماء المنطقة بقضايا وطنهم.
كما استحضر مشاركة علماء سوس في الحركة الوطنية، ودورهم في الدفاع عن الشرعية المغربية خلال فترة نفي الملك محمد الخامس، متوقفا عند تجربة جمعية علماء سوس، التي جمعت بين العمل من أجل عودة الملك الشرعي والدفاع عن اللغة العربية والتعليم.
ولم يفت المحاضر التطرق إلى إسهام علماء سوس في قضية الوحدة الترابية، مستحضرا مشاركة عدد منهم في المسيرة الخضراء، ومواقفهم في دعم استرجاع الأقاليم الجنوبية، باعتبارها من المحطات التي تجسد امتداد حضور العلماء في القضايا الوطنية خلال التاريخ المعاصر.
وفي محور آخر، تناول الراضي جهود العلماء في حماية الاستقرار الداخلي، من خلال التمسك بالبيعة الشرعية، والتحذير من دعاوى المهدوية والادعاءات التي استهدفت، في بعض الفترات التاريخية، إثارة الانقسام ومنازعة السلطة، مستعرضا وقائع وأسماء وردت في المدونات التاريخية والفقهية المغربية.
ومن خلال هذه الشواهد، قدم الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى قراءة في التجربة التاريخية لعلماء سوس، باعتبارها نموذجا لتداخل الوظيفة العلمية مع المسؤولية الاجتماعية والوطنية، وما ترتب عن ذلك من إسهامات في مجالات التعليم والقضاء والإصلاح والدفاع عن البلاد.
وقد أبرز الدرس، الذي احتضنته مؤسسة دار الحديث الحسنية بحضور علماء وأساتذة وباحثين وطلبة، جانبا من الرصيد العلمي والتاريخي لمنطقة سوس، ودور أعلامها في التفاعل مع التحولات التي عرفها المغرب، بما يعيد طرح أهمية دراسة هذا التراث وتوثيق إسهاماته في التاريخ الوطني.
للمزيد من التفاصيل...