بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية الموافق لكل 15 شتنبر من كل سنة، يتجدد النقاش حول مسار التجربة الديمقراطية المغربية التي ارتبطت، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، بإصلاحات مؤسساتية ودستورية بارزة، أبرزها دستور 2011 الذي استجاب لمطالب الحراك الاجتماعي آنذاك، وعزز منسوب الحقوق والحريات ورسّخ نسبيا مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء.
ويرى محللون، أن النموذج المغربي يتميز بخصوصية تزاوج بين الاستقرار السياسي والتطور التدريجي، غير أن تحديات هيكلية ما تزال قائمة، أبرزها الفجوة بين النصوص الدستورية المتقدمة والممارسة السياسية اليومية، وهو ما يعمق أزمة الثقة داخل المؤسسات المنتخبة.
تقرير المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA) الصادر في شتنبر الجاري من ستوكهولم، صنف المغرب ضمن خانة الأداء الديمقراطي المتوسط لسنة 2025، حيث احتل المرتبة 107 في مؤشر التمثيل، و77 في الحقوق، و103 في سيادة القانون، بينما حقق تقدما في المشاركة السياسية ليصنف في المركز 96، بزيادة 13 مرتبة مقارنة بعام 2024، التقرير أشار أيضا إلى تراجع حرية الصحافة على المستوى العالمي، واعتبره “الأكبر في نصف قرن”.
داخليا، يعكس تنامي الاحتجاجات الاجتماعية والمهنية أمام البرلمان وفي قطاعات كالتعليم والصحة، دينامية المجتمع المدني وحيوية المطالب المواطنة، وإن كان يشكل تحديا للدولة. ويرى مراقبون أن هذا الزخم الاحتجاجي يعزز في الوقت ذاته المناخ الديمقراطي، خاصة مع تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعي في التنظيم والتأطير وكشف الاختلالات.
الأكاديمي والمحلل السياسي محمد بودن أوضح، في تصريح لـ”الأنباء تيفي”، أن المغرب جرب أشكالا متعددة لتجديد نموذجه الديمقراطي عبر انتظام الانتخابات، وتوسيع الحقوق، والنقاش العمومي، والتناوب على السلطة. لكنه شدد على أن تراجع الثقة الشعبية في المؤسسات المنتخبة يمثل خطرا على البناء الديمقراطي، مؤكدا أن “الديمقراطية لا تستقيم بدون مشاركة نشطة للمواطنين، ولا يمكن أن تدار بسياسات تعمق الفجوات بين التوقعات والنتائج”.
وأضاف بودن، أن التجربة المغربية، رغم التحديات والتجاذبات، قادرة على تجنب سيناريو “الركود الديمقراطي”، إذا ما واصلت نهجها التراكمي القائم على الإصلاح الهادئ والواقعي.
واعتبر أن معالجة المطالب الاجتماعية والاقتصادية والمجالية تظل مدخلا رئيسيا لتعزيز الثقة وترسيخ دعائم المواطنة الفاعلة، في سياق عالمي مطبوع بالصراعات وسرعة تداول المعلومة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
وفي السياق ذاته، اعتبر أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية خالد الشيات أن التحولات العالمية في منظومة القيم المرتبطة بالديمقراطية والحرية، خاصة مع تنافس القوى الكبرى، تدفع المغرب إلى التفكير في كيفية حماية قيمه ومكتسباته الديمقراطية.
وأوضح، أن جائحة كورونا كشفت عن بعض التراجعات في مجال الحريات، خاصة حرية التعبير والصحافة، غير أن الدولة تداركت الأمر لاحقا عبر الإفراج عن عدد من الصحفيين، مما أعاد التأكيد على التزامها بالضوابط القانونية في هذا المجال.
وأشار الشيات إلى أن الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة العملية ما تزال موضوع نقاش عمومي، خصوصا فيما يتعلق بقوانين كالمسطرة الجنائية والقانون الجنائي ومدونة الأسرة. لكنه شدد على أن هذه الممارسات لا يمكن وصفها بأنها ممنهجة، بل تظل في الغالب مرتبطة بحالات معزولة يتم تضخيمها في بعض التقارير الدولية التي تفتقر أحيانا إلى المعطيات الموضوعية.
وخلص إلى أن السلوك العام للدولة أقرب إلى احترام القانون، مع وجود بعض الحالات الاستثنائية ذات الطابع السياسي، والتي تبقى جزءا من النقاش المفتوح حول مستقبل الحريات في المغرب.