نبهت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، إلى مخاطر الاستغلال غير المسؤول لمخرجات أعمال المجلس والمجالس الجهوية للحسابات، محذرة من أي تأويلات غير دقيقة أو غير موضوعية لهذه التقارير وما قد يترتب عنها من تداعيات تمس مصداقية العمل الرقابي، خاصة في سياق الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة خلال الأشهر المقبلة.
وأوضحت العدوي، خلال جلسة عمومية مشتركة لمجلسي النواب والمستشارين خصصت لتقديم حصيلة أعمال المحاكم المالية برسم سنتي 2024 و2025، اليوم، أن القضايا المرتبطة بالتأديب المالي تتعلق أساسا بأخطاء تدبيرية ولا تمس نزاهة الأشخاص المعنيين، مؤكدة أن “ما بين عدم العقوبة والإحالة الجنائية توجد المحاكم المالية”، مشددة على أن تمثلات الفساد وتضخيمه قد تكون له آثار لا تقل خطورة عن الفساد نفسه.
وأكدت أن المحاكم المالية تضطلع بأدوار أساسية تروم الإسهام في تجويد تدبير الشأن العمومي والارتقاء بأداء المرافق والخدمات المقدمة للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين، مشيرة إلى أنها تتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات في حق كل إخلال بالقواعد المنظمة لمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبتها، وفق ما ينص عليه دستور المملكة.
وكشفت العدوي أن النيابة العامة لدى المحاكم المالية توصلت، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى متم شتنبر 2025، بما مجموعه 111 طلبا في مجال التأديب المالي، موضحة أن 75 في المائة منها تمت إحالتها داخليا من طرف المجلس الأعلى للحسابات، أي ما يعادل 83 طلبا، مقابل 28 طلبا فقط وردت من جهات خارجية، توزعت بين طلب واحد لوزير التجهيز والماء و27 طلبا أحالها وزير الداخلية على المجالس الجهوية للحسابات.
وأبرزت أن الإحالة على المحاكم المالية تخضع لمسار قانوني مضبوط يقوم على المسطرة التواجهية واتخاذ القرارات بشكل جماعي، إضافة إلى التحليل الموضوعي للأسباب المرتبطة بالأفعال المرصودة، مع اعتماد منهجية توازن بين كلفة المسطرة والرهانات المالية المرتبطة بها، فضلا عن إعمال الأدوار الوقائية والبيداغوجية. وأشارت إلى أن هذه المقاربة مكنت من تحقيق أثر مالي يفوق 629 مليون درهم نتيجة اتخاذ عدد من الأجهزة العمومية لإجراءات تصحيحية استجابة لملاحظات وتوصيات المحاكم المالية، حتى قبل مباشرة مساطر ترتيب المسؤولية.
وسجلت العدوي أن بعض المهام الرقابية تتعرض لتسريب ملاحظات أولية ذات طابع مؤقت من داخل الأجهزة الخاضعة للمراقبة، وهو ما قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام، مبرزة أن التقارير النهائية قد تختلف بعد دراسة الأجوبة المقدمة من الجهات المعنية.
وفي ما يتعلق بالأفعال التي قد تشكل جرائم مالية، أوضحت العدوي أن الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات أحال على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى نهاية شتنبر 2025، عشرين ملفا تهم أفعالا قد تستوجب عقوبات جنائية، وتتعلق بـ20 جهازا، من بينها ستة أجهزة عمومية تابعة للدولة و13 جماعة ترابية وجمعية واحدة، لترتفع بذلك الحصيلة الإجمالية للملفات الجنائية المحالة ما بين 2021 و2025 إلى 55 ملفا بمعدل 11 ملفا سنويا.
وأضافت أن مآل هذه الملفات أفضى إلى صدور أحكام نهائية في ستة ملفات، فيما توجد خمسة ملفات قيد المحاكمة وستة في مرحلة التحقيق و34 في طور البحث، مقابل حفظ أربعة ملفات.
وبخصوص الشكايات المرتبطة بتقارير المجلس الأعلى للحسابات، كشفت العدوي أن النيابات العامة توصلت خلال الفترة ما بين 2019 و2026 بما مجموعه 31 شكاية مقدمة من جمعيات أو أفراد، جرى حفظ 30 منها، بينما لا تزال شكاية واحدة قيد التحقيق.
وتوصل المجلس الأعلى للحسابات من رئاسة النيابة العامة بـ79 شكاية خلال سنتي 2024 و2025، تبين بعد دراستها أن شكايتين فقط تتضمنان عناصر قد تثير المسؤولية، إحداهما ذات صبغة جنائية والأخرى تندرج في مجال التأديب المالي.
وأوضحت العدوي أن أغلب الشكايات الواردة على المحاكم المالية لا تفضي إلى برمجة مهام رقابية أو إحالات قضائية، مشيرة إلى أنه من أصل 3462 شكاية تم تسجيلها خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى نهاية دجنبر 2025، لم تتجاوز نسبة الشكايات التي تم اقتراح برمجة مهمات رقابية بشأنها 15,7 في المائة، فيما لم تتعد نسبة الشكايات التي اقترح تفعيل مساطر التأديب المالي بشأنها 1,8 في المائة، في حين ظلت نسبة الشكايات التي قد تفضي إلى إحالات جنائية أقل من 1 في المائة.
وجددت الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات التأكيد على ضرورة وضع الملفات التي تنظر فيها المحاكم المالية في إطارها الموضوعي والتمييز بينها وبين الجرائم المالية التي يختص بها القضاء الجنائي، معتبرة أن غالبية المخالفات المسجلة ترتبط بأخطاء تدبيرية غير مقصودة ناتجة عن سوء تطبيق بعض المقتضيات القانونية أو عدم احترام الضوابط المسطرية أو التقصير في واجب الإشراف، وهي أفعال لا ترقى إلى مستوى الجريمة المالية.