أشرف صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، يوم الإثنين 13 أبريل 2026، على التدشين الرسمي لبرج محمد السادس بالضفة اليمنى لنهر أبي رقراق بين الرباط وسلا. حيث استعرض ولي العهد الأمير مولاي الحسن، لدى وصوله إلى “برج محمد السادس”، تشكيلة من الحرس الملكي أدت التحية، قبل أن يتقدم للسلام على سموه والي جهة الرباط-سلا-القنيطرة، عامل عمالة الرباط، محمد اليعقوبي، ورئيس مجلس الجهة، رشيد العبدي، وعامل عمالة سلا، عمر التويمي، ورئيس مجلس عمالة سلا، نور الدين الأزرق، ورئيس المجلس الجماعي لسلا، عمر السنتيسي. وبالتالي، فإن مراسيم هذا التدشين الرسمي، التي حظيت باهتمام وتغطية وسائل الإعلام الوطنية، تبطن، على ما يبدو، تكريسًا لشرعية السلطة سواء على المستوى التحديثي أو الإنجازي.
برج محمد السادس وتكريس التحديث السياسي
أولى السلاطين المغاربة عبر التاريخ اهتمامًا فائقًا ببناء المساجد والقصور كرمز للعزة والشرعية السياسية. فقد ركز السلاطين، وخاصة المرينيين، على البناء بالأبهة والجمال، واشتهروا باستخدام الزليج المغربي، والأعمدة الرشيقة، والأقواس المفصصة، حيث تميزت هذه العمارة بدمج الطراز الأندلسي مع القوة الإفريقية، معتمدين على الزليج، والنقش على الجبس والخشب، والأقواس المتعددة الفصوص. وتعد مساجد الكتبية، وحسان، والقرويين، وقصور المرينيين والمرابطين أمثلة بارزة عن هذه العمارة السلطانية. إذ لم تكن هذه المساجد مجرد أماكن عبادة، بل كانت مراكز اجتماعية وثقافية، وأداة سياسية لتثبيت حكم السلطان. وفي هذا السياق، أشرف الملك الحسن الثاني على بناء مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء كمعلمة دينية وحضارية ضخمة لتعزيز شرعيته كـ”أمير للمؤمنين”. فقد كان الهدف من بناء هذا الصرح الديني الفخم تعزيزًا للشرعية الدينية للملكية. إذ إن تشييد هذا المسجد جزئيًا فوق مياه المحيط الأطلسي، كرمز للقوة السياسية والثبات الديني، تجسيدًا للآية القرآنية (وكان عرشه على الماء)، مما أضفى على هذا الصرح، بمختلف مرافقه العلمية والصحية، طابعًا قدسيًا وعظمة هندسية.
كما أن بناء هذا المسجد، الذي يضم ثاني أطول مئذنة في العالم (210 أمتار)، شكل رمزًا للتطور والقدرة على الجمع بين التقليد والحداثة. وعلى هذا الغرار الرمزي، فإن تشييد برج محمد السادس وتدشينه من طرف ولي العهد يكرس شرعية الملكية من خلال منظور تحديثي. إذ يُعد بناء الأبراج والمشاريع البنيوية الكبرى في المغرب، مثل برج محمد السادس، أداة حديثة لتكريس شرعية السلطة الملكية، التي تحولت من “الشرعية التاريخية” إلى “شرعية الإنجاز والتنمية”. إذ تعكس هذه المعالم العمرانية، التي تنضاف إلى البراق ومسرح محمد السادس والمستشفى الجامعي محمد السادس، “الحداثة السياسية” ورؤية الملك محمد السادس كقائد للتحديث، مما يرسخ استقرار النظام السياسي وموقع المؤسسة الملكية كفاعل رئيسي في تحقيق التنمية.
برج محمد السادس وتكريس شرعية الإنجاز
على غرار بناء السدود الضخمة التي أشرف الملك الحسن الثاني، وبعده الملك محمد السادس، على بنائها وتدشينها، توظف الأبراج شاهقة الارتفاع (مثل برج محمد السادس) كرموز مادية للتقدم الاقتصادي والانتقال إلى “شرعية الإنجاز” بدل الاعتماد الكلي على الشرعية التاريخية. بالإضافة إلى أن الإشراف على تشييد مثل هذه الأبراج يزيد من تعزيز الشرعية الملكية، حيث ترتبط هذه المشاريع الكبرى بالرؤية الملكية، مما يكرس دور الملك كضامن للاستقرار ورمز للتحديث الشامل. كما يدمج النظام المغربي بين عراقة المؤسسة الملكية ودينامية الحداثة، حيث تعتبر هذه الإنجازات تجسيدًا لإعادة تعريف طبيعة السلطة كمسؤولية تنموية، وكذا إبراز الملك كرئيس للدولة، ورمز لوحدتها، وضامن لاستمراريتها، مستندًا في ذلك إلى ثوابت وطنية.
وهكذا يتصدر الملك ما يشهده المغرب من طفرة في بناء الأبراج الشاهقة، كبرج محمد السادس بالرباط، كأطول برج في المغرب وإفريقيا (250 مترًا، 55 طابقًا)، مع مشاريع مستقبلية أخرى مثل “Atlantic Tower” بالدار البيضاء، المرتقب بارتفاع 390 مترًا، كرمزية للتجديد والعصرنة العمرانية. فبرج محمد السادس، بتصاميمه العصرية والمتقدمة، وما يتضمنه من مرافق اقتصادية وسياحية كالفندق الفاخر (Waldorf Astoria)، ومن مكاتب وشقق راقية، ومرصد تراث الرباط وسلا، وقاعة للندوات، ومحلات تجارية ومطاعم، مرتبطة بـ36 مصعدًا، وشرفة بانورامية، يجسد الطابع الحداثي والإشعاع العمراني للمغرب تحت قيادة الملك محمد السادس، حيث تمثل الإطلالة العمرانية على ضفتي نهر أبي رقراق وعلى مختلف مباني العدوتين، بما فيها كل مؤسسات الدولة التي تضمها عاصمة المملكة، رمزية الإشراف والمراقبة والسمو الملكي. في حين أن إشراف ولي العهد الأمير مولاي الحسن على التدشين الرسمي لهذا البرج، بعدما سبق لوالده الملك محمد السادس أن أعطى انطلاقة بنائه سنة 2016، وقيامه بزيارة مكوناته وطوابقه، يرمز إلى استمرارية هذه الشرعية المتوارثة والمتنقلة، وذلك على غرار تدشين ولي العهد محطة تحلية مياه البحر للدار البيضاء، التي تعد الأكبر من نوعها على مستوى القارة الإفريقية، مما يكرس شرعية المؤسسة الملكية التي تزاوج بين الشرعية الدينية والتاريخية وشرعية الحداثة والإنجاز.