على طول شارع المعطي بوزيان ,وعلى مد البصر,مقاهي متراصة ,لايمكنك التفريق بينها من شدت تقاربها,متوشحتا بالبياض ,ومتوسطتا أخواتها مقهى الأمل,هدا اسمها, لعل بعضا من اسمها يصيب روادها المنغلقين التائهين في أنفسهم, لا تسمع من كلامهم إلا همسا.
غير أن من ناله الحظ الوافر من اسمه هو النادل”محمد اوكريم”,الأربعيني الأنيق كالعادة,و المنحدر من قرية نائية نواحي مدينة مراكش,تقاذفت به أمواج القدر فرمت به في ساحل البيضاء ليشتغل تاجرا للذهب,غير أن للأقدار رأيا أخر, تكسد التجارة فيجد نفسه نادلا بالمقهى.
متوسط الطول و القامة ,شعر أشيب خفيف يتخلله بعض السواد, أمازحه قائلا(للأصمعي صوت صفير البلبل,ولك صوت صفير المقاعد),يجاوب ضاحكا “حياتي كلها مشات وسط كراسا”.
ينتقل بين جنبات المقهى كالنحلة ,من زهرة لزهرة,يجمع رحيقها ليصنع أشهى قهوة,أو كراقصة للبالي,رافعا يده للأعلى ,تابت الخطى,متناغم السير,كلما تطلعت إلى وجهه لاحت لك تقاسيم ملئ بأمل مرضي,فكلما سألته كيف الحال يجاوبك “في نعمة لو علمها الملوك لحاربونا عليها بالسيوف”.
واضعا يده على خده, متطلعا إلى الطاولات كأنه يقول (إني أرى كؤوسا قد أينعت وقد حان قطافها,واني لصاحبها),ووسط سهوته هده صاح به احد الزبائن “سوداء حبشية”في ما معناه انه يريدها مركزتا,وبرشاقة الغزلان ,قفز خلف آلة القهوى ذات صوت القطار البخاري,وبنفس الرشاقة يقفز ثانيتا, مسرع الخطى,صوت القطع النقدية كخلخال جارية راقصة,ينبه الزبائن بقدومه .
سألته بفضول “كم أمضيت في هده المقهى”, أجاب أزيد من خمسة عشر سنة”,قلت” إلى تنوي تغيير هده الحرفة”, رد بتفاخر “ا ذا غيرت من الحرفة تغلق المقهى”.
نعم تغلق,لم يقلها تباهيا ,بل قصد,فمند ارتيادي للمقهى لطالما سمعت عبارة ” والله إلى نتا لكتجيبنة لهاد القهوى”.
قادني الفضول إلى سؤاله عن هدا الأمل المصاب به,فهو أمل مرضي,وكان له رأي أخر ا ذ قال إن الأمل هو طوق نجاته ,ودافعه للحيات,وانه رب أسرة ’, وعليه إعالتها ولا وقت لدية للبكاء على ما فات ’وانه يجد في الأمل مواساة وعزاء , فلولا الأمل لما استطاع مواجهة تقلبات الحيات ’ فمن يتقبل إن يكون تاجرا للذهب ليصبح نادلا بمقهى. bOBNy2����|^
للمزيد من التفاصيل...