التسامح..” إذا كانت الموسيقى الأندلسية وحدت الأصوات والقلوب فلما لا نحن “

عبد العالي بن مبارك بطل

التسامح
” إذا كانت الموسيقى الأندلسية وحدت الأصوات والقلوب فلما لا نحن “

لقد أصبح العالم البشري اليوم مسوقا بأفكار وإيديولوجيات تنموية ذات التوجه المادي المحض، حيث حصرت غاية وجوده في الربح المادي فأصبح بذلك كائنا ذا البعد الواحد، مما غيب عنه معاني المحبة والإيمان والتسامح والرحمة وحب الخير للطرف الأخر، الخ… من المميزات والخصال الحميدة.

وبعولمته الفارضة لقيمها الكونية المهددة للهويات الحضارية والخصوصيات الثقافية هو بحاجة اليوم وبشكل سريع إلى حصون تبنيها القيم الأخلاقية التسامحية التي تصون عمارة الكون من الانهيار وصلاح المجتمع من الفساد وتوازن الحياة من الخلل، وتتعاظم الحاجة لتعزيز الرسائل البانية لقيم الخير والحق والجمال والسلام والمشيدة للمعاني السامية، لأنه من ابرز ما يسم هذا العصر فقدان المعاني السامية التي سبق لنا ذكرها، هذه الأخيرة التي أفقدت وحولت الإنسان إلى آلة تدور للإنتاج والاستهلاك فقط، مما جعل الحياة مبتذلة بواسطة الاستهلاك، وأسهمت بقسط وافر في تدهور القيم على جميع المستويات سواء منها الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية أو التربوية او العلمية. هذه الخصال والقيم غير الحميدة التي مصدرها جهات ذات مصالح سياسية أو إيديولوجية أو دينية تصبغ القيم بإصباغ خادمة لأهوائها حيث يصبح النفاق سياسة والمكر ذكاء والتمجد مجدا.كما أنها فصلت بين السياسة والأخلاق وبين التربية والتعليم، والمحبة والتسامح.

فالتسامح واحترام العقيدة الدينية هي أحد المبادئ التي يجب على الإنسان تطبيقها لبلوغ الغايات التي تنشدها الأمم والشعوب في سبيل منع نشوب الحروب والنزاعات وصون السلم والسلام بين الدول. ويعتبر نشر التسامح من أبرز مقاصد الأمم والشعوب، من خلال تحقيق التعاون الدولي في حل المشاكل الدولية التي تتسم بطابع اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو إنساني، وفي تعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز على أساس العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين. ولذلك يبقى التسامح مشروعًا حضاريًا وإنسانيًا، يمكن من تقريب المسافات بين المجتمعات الإنسانية وانسجامها، والحفاظ على شبكة علاقاتها القوية والمتماسكة، فالعلاقات المضطربة في منظومة القيم لها نتائجها العكسية في منظومات المجتمعات.

فإذا نظرنا إلى التاريخ وخصوصا التاريخ الإسلامي ألفينا فيه مجتمعات وشعوبًا وأممًا مختلفة تتقارب وتتعاون وتتواصل في بعض الوجوه أو الحالات وتتباعد وتتجاهل وتتقاطع في وجوه وحالات وأحيان أخرى. فالإسلام دين يقوم على التسامح والتعايش. ولذلك فإن مبادرات التسامح مع الأديان والثقافات ليست تبريرًا لواقع يفرض نفسه أو تفريطًا في مبادئ ثابتة أو استجابة لضغط الواقع، فالتسامح والتعايش هو ذلك النموذج الثقافي الإنساني الأخلاقي الذي ينسجم مع ديننا وقيمنا ومبادئنا وإنسانيتنا التي حث عليها رسول الله ونبينا محمد صلوات الله عليه، فالمفكر والمؤرخ الدبلوماسي الأمريكي واشنطن إيرفينغ ( ( Washington Irving يرى ” أن معظم منجزات الحضارة العربية الإسلامية ماثل في الأندلس” فقد كانت قدرة الثقافة العربية الإسلامية على استيعاب الأقوام الآرية والتعايش معها في إناء أوروبي جمعت بين الغرب (الأوربي المسيحي) والمشرق (العربي الإسلامي) حيث شكلت ولادة ثقافة جديدة وعالم جديد يميط اللثام عن إعجاب كبير بالعقل العربي الإسلامي المتفتح والمتسامح.
فسماحة الدين الإسلامي تتجلى في أنه دين يكرم الإنسان و يقر الاختلاف، و يبيح حرية اختيار الدين، و ينهي عن قتل النفس بدون حق، و يدعو الى تبادل المنافع و المصالح، و يبرز تسامحه في معاملته لأهل الكتاب بمقتضى الكتاب والسنة. وقد سار المسلمون في الأندلس، على هدى السلف الصالح فانتشر الإسلام وسادت تعاليمه السمحة بين الناس فتفاعلوا وتداخلوا وتحاربوا، ونال كل من أهل الأديان موقعه، وحضارة الأندلس وثقافته العقلية والنقلية و الفعلية خير شاهد على ذلك.

فإذ رجعنا للوضع الذي كانت عليه الجزيرة الأيبيرية قبل الفتح الإسلامي والذي كان يغلب عليه الظلم والاضطهاد والإرهاق كل هذه المكونات كانت السبب في تسهيل والتعجيل بالفتح الإسلامي الذي تم في مدة وجيزة، كما ساعدت الفاتحين على الاندماج مع الساكنة الأصلية مما أدى إلى نشأت الشعب الأندلسي المعتز بهويته ووطنيته وقوميته في إطار من التسامح الديني والثقافي، مع هيمنة اللغة العربية وآدابها فتكون جيل من المستعربين الذين تسمى بعضهم بأسماء عربية، والذين أسهموا في بناء الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية، وفي تشييد حضارة وثقافة الممالك المسيحية، وما قيل عن المستعربين يقال عن نشاط الطائفة اليهودية، فقد كان في كل من أهل الديانتين الوزراء والكتاب والسفراء والمترجمين، وكان بين الديانات الثلاث حوار ديني على فكرة ترى مازال موضع اهتمام لحد الآن. إضافة لتعايشهم المشترك إذ كانوا يتلاقون في مجالس العلم وطريقة العيش والأكل والأسواق والسكن وفي تشابه الأثاث والطبخ، والغناء والموسيقى الموحدة وكانوا يقفون، أحيانا، أمام عدالة واحدة، ويتشاركون في اللغة (واللغات) و الأعياد…، وبالإجمال فقد كان هناك تداخل وتمازج مما جعل من الأندلس مجتمعا يحتذى به على الرغم من اختلاف المعتقدات الدينية، لكن كانت تربطهم ثقافة متسامحة على الرغم من اختلاف تنوعها. وذلك الاختلاف والتنوع في الثقافة جعلت الأندلس نموذج لحوار الحضارات و تعايشها.

وإذ كان الشعر وسيلة تفاعل وتآخ وتسامح فإن الموسيقى الأندلسية كذلك حيث أسهمت فيها كل العناصر المتساكنة من عرب و بربر و يهود وقوط وزنوج وصقالبة وأدى هذا المزيج إلى طريقتين من الموسيقى: طريقة النصارى وطريقة العرب، وقد تداخلت الطريقتان معا في الموسيقى الأندلسية على يد ابن باجة..إلا انه وللأسف تراجع هذا التسامح الثقافي والفكري والوجداني بمجرد سقوط الأندلس وظهور أرواح متشددة مقلدة غير متجددة.
وكما يقول الكاتب الأمريكي أنتوني روبنز (Anthony Robbins) فإن الناس حين يكونون غير واثقين مما يتوجب عليهم فعله يقلدون الآخرين في توجهاتهم وفي هذه الحال تكون حياتنا نسخة طبق الأصل من حياة الآخرين، ولذلك أرى انه يجب علينا إعادة النظر في قناعاتنا ونتائجها الحيوي، وذلك من خلال تجربة التسامح الكلي فلنجرب معًا التسامح، إن معظمنا لا يدرك القيمة الكامنة فيه، وذلك بأن ندع التسامح يتدفق في حياتنا واختم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشْتَرَى، وإذا اقْتَضَ” وقال أيضا ” يا عُقبةُ! صِلْ مَن قطعَك، وأعطِ مَن حرمَك، واعفُ عمَّنْ ظلمَكَ”.