حقيقة من منا عندما يسمع مصطلح “عبادة” ولا يكون أول ما يتبادر إلى ذهنه “الصلاة والصيام وبر الوالدين وصلة الأرحام” وغيرها من العبادات الربانية، فبرغم عظم شأن هذه العبادات وكبير فضلها الا أن هناك عبادات أصبحت منسية ومخفية بعض الشيء عنا ، ربما هذا راجع للظروف والحياة النفسية التي أصبحنا نتخبط ونعيش فيها ، أو ربما لزهدنا وغفلتنا عنها، على الرغم من أن أجرها وفي وقتها المناسب لا يقل عن أجور العبادات والطاعات الأخرى والتي سبق ذكرها أعلاه، ومن هذه العبادات عبادة “جبر الخواطر” و”إصلاح ذات البين”
فجبر الخواطر وإصلاح ذات البين هما خلق إسلامي عظيم يدل على سمو النفس وعظمة القلب وسلامة الصدر ورجاحة العقل، بحيث يمكن للشخص أن يجبر ويصلح بهما نفوساً كسرت وقلوباً فطرت وأجساماً أرهقت وأرواحا حملت فوق طاقتها ، فما أجمل اذن هذه العبادة وما أعظم أثرها على نفسية الإنسان للمضي قدما نحو أمال ومستقبل ساطع ومستقيم ومزدهر خالي من الشوائب والخبائث، ومما يعطي هذين المصطلحين جمالاً هو أن الإصلاح و الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسنى وهو “الجبار” وهذا الاسم بمعناه الرائع فهو الله الذي يَجبُرُ الضعيف وكل فؤاد منكسر ويُطمئنُ القلبَ ويريحُ النفس فهو سُبْحَانَهُ الذِي يصلح ويَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمَرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ”.
إن نفسية الناس ووقتنا الحاضر على وجه الخصوص أصبحت تتخبط بالعديد من الهموم والمشاكل نتيجة الظروف الصحية والمعيشية التي أصبحت تعيشها، لذا فإن تطييب الخاطر وإصلاحه لا يحتاج منا إلى كثير من الجهد ولا كبير طاقة، فربما يكفي البعض منا كلمة سواء من ذكر، أو دعاء، أو موعظة، وربما يحتاج الآخر لمساعدة، وينتظر البعض الأخر قضاء حاجة، ويكتفي الآخر بابتسامة، فعلينا إذن أن نحزم أنفسنا للظروف ونجتهد بإدخال الفرح والسرور إلى قلوب إخواننا ولا نبخل على أنفسنا بجبر الخواطر وإصلاح ذات البين، فالكلمة الطيبة والخير يعود نفعه للكل وحتى المجتمع. لأن المجتمع والشعوب الناجحة هي من تتميز بكرم الخصال، ورقي الأفعال، وتجبر الخواطر وتراعي المشاعر، وتواسي المنكسر والحائر لان الإنسان في هذه الحياة يتعرض لظروف شديدة لا يعلمها إلا الخالق، فكم من حزين بحاجة إلى من يجبر خاطره بكلمة حانية، تضمد جراحات قلبه، وكم من مظلوم بأمس الحاجة إلى يقف معه في مظلمته، ويخفف عنه ألَمَ الظلم والقهر الذي يفطر قلبه، وكم مِن مُبتلى يتمنى أن يجد أخًا صادقًا يصبِّره في بلائه، ويقوِّيه ويشد أزره، وكم من مهموم قد أثقلته الهموم ينتظر صديقًا، يفتح له باب الأمل، ويبشِّره بقرب الفرج، وكم مريض قد هدَّه المرض ينتظر زائرًا يواسيه ويخفِّف عنه آلامه، او يعطيه اهتماما و اعتبارا، وهذا ما تجلي من خلال الرجل الأعمى الذي عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم لما عبس في وجهه، رغم أن ذلك الفعل كان غير مقصود من النبي لأنه في تلك اللحظة كان النبي حريصًا على نشر الدين بصورة أكبر؛ حيث كان يخاطب زعماء قريش وهو يعلم أن بإسلامهم سيُسلم الكثير من الناس، لكن للأعمى حق في أن يجبر خاطره ويلتفت إليه، ويجاب عن سؤاله، قال سبحانه: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ) صدق الله العظيم، فتخيل معي أخي كيف أن الله أجبر بخاطر هذا الأعمى وعاتب نبييه لعدم الاهتمام به حيث كان نزول هذه الآيات مؤثرًا في قلب ذلك الرجل الأعمى الذي عاتب الله نبيه من أجله بآيات تتلى إلى يوم الدين.
فجبر الخواطر وإصلاح ذات البين أخي أحيانًا لا يحتاج منك ومنا إلى أن نبذل مالا، أو جهدًا كبيرًا، ولكن كلمة طيبة خفيفة على القلوب ربما ميزانها ونتيجته كبيرة جدا وخير دليل على هذا انه في يوم من الأيام وجد الرسول صلى الله عليه وسلم رجل يدعى زاهر (فقد كان النبي يحب زاهر لطرافته وكان الرسول يتمازح معه حين يقدم عليه ولا يستطيع أحد إضحاك الرسول غيره ) بسوق المدينة فجاء من وراء ظهره ووضع يداه على عينيه وندى:” من يشتري هذا العبد” وأول ما عرف زاهر صوت النبي صلى الله عليه وسلم وملمس يديه الذي قال عنه انس رضي الله عنه:” ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم” اخذ يلصق ظهره ببطن النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة حبه له وقال يا رسول الله:” إذا تجدني كاسدا” فقال له:” ولكنك عند الله ربيح” انظر كيف جبر النبي خاطر زاهر بهذه الكلمة الطيبة .
جعلنا الله وإياكم ممن يسارعوا في جبر الخواطر وإصلاح ذات البين بين الناس.
السبت 08/04/2023
للمزيد من التفاصيل...