أعادت وثائق أمريكية حديثة، أفرجت عنها وزارة العدل في واشنطن، تسليط الضوء على واحدة من أكبر فضائح الاتجار الجنسي بالقاصرات في تاريخ الولايات المتحدة، والمتعلقة برجل الأعمال والممول الأمريكي جيفري إبستين.
وجاء نشر هذه الوثائق، التي تأخر الإفراج عنها لأكثر من شهر عن موعدها الرسمي، ليكشف فصولا جديدة من القضية ويثير جدلا واسعا حول شبكة علاقات إبستين التي امتدت إلى شخصيات سياسية وملكية ورياضية بارزة عبر العالم.
وشملت الوثائق المنشورة أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الملفات، إضافة إلى نحو ألفي مقطع فيديو وما يقارب 180 ألف صورة، في خطوة وصفتها وزارة العدل بأنها نتيجة مراجعة دقيقة لضمان الشفافية أمام الرأي العام.
وأكد نائب المدعي العام الأمريكي، تود بلانش، أن عملية التدقيق شملت كافة الوثائق رغم ما تتضمنه من مضامين صادمة، مشيرا إلى أن المواد المنشورة، رغم خطورتها، قد لا تشكل أساسا قانونيا كافيا لفتح ملاحقات جنائية جديدة.
ومن بين الأسماء التي أثارت اهتماما واسعا، برز اسم الأميرة النرويجية ميتي ماريت، زوجة ولي العهد، حيث أظهرت تقارير صحفية ورود اسمها أكثر من ألف مرة ضمن الوثائق، مع الكشف عن رسائل متبادلة بينها وبين إبستين بين عامي 2011 و2014 تضمنت عبارات شخصية ومجاملات متبادلة، وأقرت الأميرة لاحقا بما وصفته بـ“خطأ في التقدير”، معبرة عن ندمها على أي تواصل جمعها بإبستين.
وفي الولايات المتحدة، طالت التداعيات كايسي واسرمان، رئيس اللجنة المنظمة لأولمبياد لوس أنجليس 2028، بعد الكشف عن مراسلات إلكترونية قديمة جمعته قبل نحو عشرين عاما بغيلين ماكسويل، الشريكة السابقة لإبستين والمحكوم عليها حاليا بالسجن، حيث بادر واسرمان إلى إصدار بيان اعتذار أعرب فيه عن ندمه على تلك المراسلات.
كما أعادت الوثائق تسليط الضوء على الأمير البريطاني أندرو، شقيق الملك تشارلز الثالث، بعد ظهور صور غير مؤرخة وُصفت بالمحرجة، ما دفع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الدعوة لإدلائه بشهادته أمام القضاء الأمريكي.
وكان الملك تشارلز قد سبق أن جرّد الأمير أندرو من ألقابه العسكرية والملكية على خلفية القضية.
وفي سياق متصل، نفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجود أي علاقة له بإبستين، مؤكدا في تصريحات صحفية من البيت الأبيض أن الوثائق المنشورة تثبت براءته، ومتهما إبستين وكاتبا يدعى مايكل وولف بالتآمر لمنعه من الوصول إلى الرئاسة.
وتضمنت الملفات أسماء شخصيات عالمية أخرى، من بينها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، والمغني مايكل جاكسون، وحاكم ولاية نيو مكسيكو الأسبق بيل ريتشاردسون.
وتعود جذور القضية إلى المسار المثير للجدل الذي عرفه إبستين، المولود سنة 1953 في حي بروكلين بنيويورك، والذي بدأ حياته المهنية مدرسا للرياضيات قبل أن ينتقل إلى عالم المال ويحقق ثروة كبيرة في فترة قصيرة، رغم الغموض الذي أحاط بمصادر أمواله.
وقد نسج إبستين علاقات واسعة داخل دوائر النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي، قبل أن تنكشف لاحقا شبكة الاستغلال الجنسي التي أدين بإدارتها، والتي استهدفت قاصرات في عدة ولايات أمريكية.
وفي صيف سنة 2019، أعيد اعتقال إبستين تمهيدا لمحاكمة جديدة، قبل أن يعثر عليه ميتا داخل زنزانته في نيويورك في حادثة صنفت رسميا على أنها انتحار، لكنها أثارت جدلا واسعا لم يتوقف حتى اليوم.
ومع الإفراج عن ملايين الوثائق المرتبطة بالقضية، عاد اسم إبستين إلى الواجهة كرمز لفضيحة عابرة للحدود، أعادت طرح تساؤلات عميقة حول تداخل المال بالسلطة وحدود المساءلة وقدرة الأنظمة القانونية على حماية الضحايا حين يتقاطع النفوذ مع الصمت.